بقلم: أمين أحمد ودالريف
في الجغرافيا السياسية للطاقة، توجد أماكن صغيرة قادرة على تحريك الاقتصاد العالمي بأكمله. مضيق هرمز هو أحد هذه الأماكن. شريط مائي ضيق لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يحمل يوميًا جزءًا ضخمًا من تجارة النفط والغاز في العالم. لذلك، عندما يتصاعد التوتر العسكري حوله، لا تتحرك الأساطيل فقط؛ بل تتحرك أسعار الطاقة، وأسواق المال، ومؤشرات التضخم في عواصم بعيدة عن الخليج بآلاف الكيلومترات.
في هذه اللحظة، لا تدور المعركة حول السيطرة العسكرية على المضيق بقدر ما تدور حول إدارة الخطر داخله. إيران تدرك أن إغلاق هرمز بالكامل سيستدعي ردًا عسكريًا واسعًا قد يتجاوز قدرتها على تحمله. لذلك تبني استراتيجيتها على منطقة رمادية: رفع مستوى التهديد إلى الحد الذي يجعل حركة الطاقة أكثر كلفة وخطورة، دون الوصول إلى الإغلاق الكامل.
هذه الاستراتيجية تقوم على مزيج من الأدوات العسكرية غير المتكافئة التي طورتها طهران على مدى عقود. زوارق هجومية سريعة قادرة على الاقتراب من السفن التجارية، بطاريات صواريخ ساحلية تغطي الممرات البحرية، طائرات مسيّرة للمراقبة والهجوم، وألغام بحرية يمكن أن تعطل الملاحة حتى دون استخدامها على نطاق واسع. الفكرة ليست إغراق ناقلات النفط، بل تحويل المضيق إلى منطقة مرتفعة المخاطر، حيث ترتفع تكاليف التأمين والشحن ويبدأ السوق في تسعير الخطر قبل أن يقع.
السقف الذي تسعى إيران إلى بلوغه ليس عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا. الهدف الأبعد هو دفع الاقتصاد العالمي نحو موجة تضخم جديدة. ارتفاع أسعار النفط لا يبقى في قطاع الطاقة وحده؛ بل يتسرب إلى النقل والصناعة والغذاء، ويضغط على الاقتصادات الكبرى التي خرجت للتو من سنوات من التضخم المرتفع. وكلما استمر التوتر حول هرمز، ازداد احتمال انتقال الأزمة من اضطراب في الأسعار إلى اختلال أوسع في الاقتصاد العالمي.
في المقابل، تحاول دول الخليج أن تلعب دور صمام الأمان للأسواق. فالسعودية والإمارات تمتلكان طاقات إنتاجية كبيرة وقدرة على زيادة الضخ في أوقات الأزمات. كما طورت بعض هذه الدول خطوط أنابيب وموانئ بديلة تقلل جزئيًا من الاعتماد على المضيق. لكن قدرة هذه الدول على تهدئة السوق ليست غير محدودة. فإذا تحول الخليج نفسه إلى بيئة أمنية غير مستقرة، فإن أي زيادة في الإنتاج قد لا تصل بسهولة إلى الأسواق العالمية.
هنا يتضح البعد الأعمق للاستراتيجية الإيرانية: ليس فقط التأثير في حركة النفط، بل تقليص قدرة الآخرين على تعويضه. فإذا أصبح الخليج منطقة توتر دائم، فإن دور المنتجين الكبار في استقرار السوق يتراجع، وتفقد الأسواق أحد أهم أدواتها لاحتواء الأزمات.
في الوقت ذاته، توسع طهران نطاق الضغط خارج الخليج. فاستهداف إسرائيل بالصواريخ أو عبر جبهات إقليمية متعددة يحمل بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الحساب العسكري المباشر. الهدف هو إرباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية وإجبارها على توزيع مواردها الدفاعية بين عدة ساحات. وكلما اتسعت دائرة المواجهة، ازدادت حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، وارتفعت علاوة المخاطر السياسية في المنطقة.
هذه المعادلة—مضيق مهدد، وأسواق قلقة، وجبهات إقليمية متشابكة—تعني أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف محددة. إنها معركة تدور أيضًا في ميدان الاقتصاد العالمي. فالطاقة في القرن الحادي والعشرين ليست مجرد سلعة؛ إنها ركيزة الاستقرار المالي والسياسي للدول.
ولهذا السبب، يراقب العالم مضيق هرمز اليوم ليس فقط كجبهة بحرية، بل كمقياس لحالة الاقتصاد العالمي. فإذا بقي التوتر تحت سقف التهديد دون تعطيل طويل للإمدادات، قد تتمكن الأسواق من امتصاص الصدمة. أما إذا استمر الضغط العسكري وتزايدت المخاطر على الملاحة، فقد يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام دورة تضخم جديدة لا تقل تأثيرًا عن أي أزمة مالية كبرى.
في تلك اللحظة، سيكتشف العالم مرة أخرى أن الممرات الضيقة في الجغرافيا قد تكون أوسع أثرًا من الحروب نفسها.
