السبت, مارس 14, 2026
الرئيسيةمقالاتتعرية المدفون (2)… سلة رمضان التي كشفت الغياب الإداري الكبير

تعرية المدفون (2)… سلة رمضان التي كشفت الغياب الإداري الكبير

الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

الحرب تكشف كثيرًا من الحقائق…
لكن الأخطر أنها تكشف ما كان مدفونًا في صمت المكاتب.
وهذا الملف… أحد تلك المدافن.
حين يخرج المال من الخزنة بلا سجل…
فالمشكلة ليست في المبلغ،
بل في الثقوب التي تسرب منها النظام الإداري نفسه.

🔹 رمضان 2022… خطاب رسمي ومبلغ مالي
في شهر رمضان من العام 2022، خرج خطاب رسمي مختوم من الأمين العام موجَّه إلى الإدارة المالية، يطلب فيه دعمًا لتوفير سلة رمضان لموظفي الجهاز وعددهم 59 موظفًا.
جاء الرد مختلفًا عن المتوقع؛
فبدل السلة العينية، تم تخصيص مبلغ مالي يعادل قيمتها.
المستندات تؤكد أن المبلغ تم استلامه رسميًا بواسطة المدير التنفيذي للجهاز.

وهنا تبدأ القصة…
🔹 أين ذهب المبلغ؟
المستند يثبت الاستلام…
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل دخل المبلغ إلى الخزنة الرسمية للجهاز؟
المعلومات المتاحة تشير إلى أن المبلغ لم يُودع وفق الإجراءات المالية المعتمدة، بل تم التصرف فيه خارج المسار الإداري المعروف.
ما يُتداول داخل المؤسسة يشير إلى أن جزءًا بسيطًا فقط صُرف للسائق كمصادقة، بينما بقي الجزء الأكبر بلا أثر واضح في السجلات المالية.
السؤال الأكبر الآن:
كيف يمكن لمؤسسة حكومية أن تتعامل مع المال العام بهذه الخفة؟
ومن يتحمل مسؤولية اختفاء مبلغ خرج رسميًا… ولم يعد رسميًا؟

🔹 حين تسربت الأسئلة
عندما بدأت هذه المعلومات تتداول بين الموظفين، عُقد اجتماع داخلي، وأبلغهم الأمين العام بأن:
“المبلغ بسيط… وقد تم وضعه في الخزنة.”
لكن هذا التصريح لم يُنهِ الأسئلة، بل فتح أبوابًا جديدة لها.
فإن كان المبلغ قد أُودع فعلاً:
هل تم تسجيله رسميًا في السجلات المالية؟
هل ظهر في كشوفات المراجعة؟
وهل خضع للفحص ضمن لجنة التحقيق السابقة؟
أسئلة مشروعة…
لأن المال العام لا يُدار بالتصريحات، بل بالأرقام والدفاتر والمستندات.

🔹 القضية ليست مبلغًا… بل مبدأ
القضية هنا ليست قيمة المال، بل سلامة الإجراءات.
المؤسسات الحكومية لا تنهار بسبب الأرقام الكبيرة فقط…
بل أحيانًا بسبب التهاون في التفاصيل الصغيرة.
وعندما تُدار الأموال خارج السجلات، فإن ما يتضرر أولاً ليس الخزنة…
بل الثقة داخل المؤسسة.
وثقة الموظفين هي رأس المال الحقيقي لأي جهاز يعمل باسم الدولة.

🔹 صوت الضمير المفقود… وعقاب التاريخ
أيها المفسدون… كل جنيه اختفى من الخزنة، وكل ثغرة في النظام استغليتموها، ستظل عارًا عليكم أمام الوطن والتاريخ.
لن يمر الصمت، ولن تختبئ الأيادي العابثة خلف المكاتب، فالوثائق ستتكلم، والحقائق ستخرج إلى النور.

🔹 رسالة مباشرة إلى وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية
السيد الوزير،
هذه الوقائع لم تعد مجرد حديث داخل المكاتب، بل أصبحت سؤالًا عامًا يطرق باب مؤسستكم.
إن كانت الإجراءات سليمة، فإن نشر المستندات والأرقام بوضوح كفيل بإغلاق هذا الملف وإعادة الثقة للمؤسسة.
أما عن هذا الخلل — مهما كان حجمه — فإن تصحيحه اليوم أفضل من تركه يتحول إلى أزمة ثقة أكبر غدًا.
بعض الملفات لا تحتاج إلى لجان طويلة…
بل تحتاج فقط إلى سؤال واضح:
كيف يخرج مالٌ رسمي من مؤسسة حكومية… ثم لا يجد طريقه الواضح إلى الخزنة والسجلات؟
هذا السؤال ليس اتهامًا، بل بداية طريق الحقيقة.

🔹 اقتراح عملي
إجراء مراجعة مالية عاجلة لهذه الواقعة.
تقديم تقرير واضح للموظفين خلال أسبوع يوضح:
مسار المبلغ
تسجيله المالي
الإجراءات التي اتُخذت بشأنه
فالشفافية لا تُضعف المؤسسات… بل تحميها.

🔹 السلسلة مستمرة… لأن ما دُفن يجب أن يُرى
ما عرضناه اليوم ليس سوى واحدة من الوقائع داخل ملفات إدارة الجهاز القومي لتشغيل الخريجين.
وسلسلة “تعرية المدفون” ستواصل قراءة الوثائق، وتتبع الأرقام، وطرح الأسئلة التي تأخرت كثيرًا.
ليس بدافع التشهير…
بل بدافع المسؤولية الوطنية.
لأن الدولة القوية لا تخاف من النور،
ولأن ما يُدفن في صمت المكاتب… سيخرج يومًا إلى الضوء.
المال العام ليس رقمًا في دفتر… بل ثقة وطن.
وحين تهتز هذه الثقة، فإن أول واجب هو فتح النوافذ للنور.
لهذا سيبقى هذا الملف مفتوحًا…
حتى تتكلم الوثائق،
وتستعيد المؤسسات صوتها الحقيقي.

🔹… سودانٌ يبكي على نفسه
يا سودان… قلبي يتألم عليك.
الحاضر يصرخ، والماضي يئن، والغد يترقب… وكل ذلك باسم الوطن ونحن عاجزون عن الإصلاح.
المال العام يختفي، والمفسدون يضحكون في صمت المكاتب.
ما يحدث في الصندوق اليوم هو تكرار لما دمر المؤسسات قبل الحرب… وما زلنا لم نتغير.
يا وطني، كم مرة خانوا الأمانة؟ وكم مرة ضاعت الثقة بين الشعب ومؤسساته؟
قلبي يتألم عليك يا سودان، وكل يوم يزداد وجعي عليك أكثر.

سلام وأمان… فالعدل ميزان
✍️ توقيع لا يُنسى
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا امرأة تكتب حين يخاف الصمت…
أنا الحرف حين يرفض الانكسار…
أنا امرأة من حبر النار
عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات