بقلم/ امير الزين نور الدائم
مقدمة: قراءة القرن من تقسيم الخرائط إلى إدارة النفوذ
قبل أكثر من قرن، جلس دبلوماسيان بريطاني وفرنسي في غرف مغلقة ليرسما بالقلم والمسطرة خريطة جديدة للشرق الأوسط. هكذا وُلدت اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، التي لم تكن مجرد تفاهم سري بين قوتين استعماريتين، بل لحظة تأسيس لنظام إقليمي كامل بُني على تقسيم الجغرافيا وتوزيع النفوذ بين القوى الإمبريالية الصاعدة آنذاك.
لكن ما يجري اليوم يعيد طرح السؤال نفسه بصيغة جديدة: هل انتهى عصر سايكس-بيكو، أم أننا نشهد مرحلة جديدة منه بأدوات مختلفة؟
الحروب الممتدة في المنطقة، واتفاقيات التطبيع التي رعتها إدارة ترامب، والسياسات الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، وصولاً إلى التصعيد مع إيران، كلها مؤشرات على مرحلة جديدة لإعادة ترتيب القوة الإقليمية، هذه المرة ليس عبر الحدود، بل عبر إدارة التحالفات والأزمات.
سايكس-بيكو: تقسيم الجغرافيا وصعود المشروع الصهيوني
اتفاقية سايكس-بيكو جاءت في لحظة انهيار الدولة العثمانية، مع سؤال واضح: كيف ستوزع القوى الكبرى إرث الإمبراطورية العثمانية؟
قاد البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج-بيكو مفاوضات سرية انتهت إلى تقسيم المشرق العربي: فرنسا في سوريا ولبنان، وبريطانيا في العراق وجنوب فلسطين، مع اعتبار خاص لفلسطين لأهميتها الدينية والاستراتيجية.
في الوقت ذاته، وضعت صهيونية هرتزل الأساس السياسي للحركة اليهودية، محولة الصهيونية من فكرة ثقافية إلى مشروع سياسي. وبذلك أصبح التسلسل التاريخي واضحاً:
هرتزل وضع الفكرة، وسايكس-بيكو رتبت الجغرافيا، ووعد بلفور أعطى التعهد السياسي لإقامة المشروع الصهيوني.
وقد كشفت الثورة البلشفية نصوص الاتفاقية، مؤكدين طبيعتها الإمبريالية ومظهرها كجزء من صراع القوى الكبرى لتقاسم النفوذ.
الإمبريالية وفق لينين: أدوات تتغير وجوهر ثابت
في «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية»، اعتبر لينين أن الرأسمالية في مرحلة الاحتكارات الكبرى تتحول إلى سعي مستمر لتصدير رأس المال والسيطرة على الأسواق والموارد خارج الحدود.
من هذا المنظور، لم تكن سايكس-بيكو استثناءً، بل نموذجاً لصراع القوى الكبرى على النفوذ العالمي، وإذا تغيرت اليوم الأدوات (الحروب بالوكالة، العقوبات، إعادة تشكيل التحالفات) فإن الهدف الأساسي للإمبريالية لم يتغير: السيطرة وإعادة توزيع النفوذ.
من رسم الحدود إلى إدارة الفوضى
اليوم، لم تعد السيطرة تُحقق عبر رسم الحدود بالقلم، بل عبر إضعاف الدول المركزية وإدارة الأزمات. العراق، سوريا، لبنان، واليمن يشهدون هشاشة مؤسساتية وصراعات داخلية تمنعهم من لعب دور مستقل.
في هذا السياق، أصبحت المنطقة مساحة لصراع نفوذ معقد بين القوى العالمية والإقليمية، مع بقاء الشعوب في مواجهة تبعات هذه الصراعات.
اتفاقيات أبراهام: التطبيع كأداة لإعادة تشكيل التحالفات
اتفاقيات أبراهام التي رعتها إدارة ترامب عام 2020 قلبت المعادلة التقليدية: التطبيع لم يعد مشروطاً بالقضية الفلسطينية، بل بالمصالح المشتركة.
القضية الفلسطينية لم تعد محوراً عربياً موحداً، بل أصبحت ملفاً ثانوياً ضمن ترتيب إقليمي جديد. النتيجة: انقسام الموقف العربي بين دول مطبعة، دول ممانعة، ودول مترددة تسعى للموازنة.
إيران بين القوة الإقليمية والتناقضات الإمبريالية
طهران لا تمثل مجرد خصم، بل تمتلك شبكة نفوذ تمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، مما يمنحها قدرة على التأثير الإقليمي.
ومع ذلك، إيران ليست مجرد قوة “مقاومة”، فهي تسعى أيضاً لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها على حساب دول أضعف، وهو ما يعكس تناقض الإمبريالية الإقليمية. المنطقة إذن هي ساحة لتقاطع الإمبريالية العالمية مع قوى إقليمية صاعدة، ويبقى الشعب العربي والإيراني في مواجهة هذا الصراع على السلطة والنفوذ.
الحرب على إيران: صراع النفوذ في الشرق الأوسط الجديد
من منظور الولايات المتحدة وإسرائيل، تمثل إيران العقبة الأبرز أمام النظام الإقليمي الجديد. السيطرة على إيران أو تقليص نفوذها يفتح الطريق لتثبيت إسرائيل كمركز أمني وتكنولوجي إقليمي.
وفق لينين، هذه ليست حرباً عابرة، بل مرحلة من إعادة توزيع النفوذ ضمن النظام الرأسمالي العالمي، باستخدام كل الوسائل: الحروب بالوكالة، الضغوط الاقتصادية، وإدارة التحالفات الإقليمية.
خاتمة: قرن من الصراع… ومصير شعوب المنطقة
من سايكس-بيكو إلى الحرب على إيران، تتكرر تجربة الإمبريالية بأدوات مختلفة: الحدود اليوم أصبحت أقل أهمية، بينما التحالفات، النفوذ، والضغط الاستراتيجي هي أدوات التحكم الجديدة.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيظل الشرق الأوسط ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، أم ستتمكن شعوب المنطقة من فرض مشروعها السياسي المستقل وتحديد مصيرها بنفسها؟
