السبت, مارس 7, 2026
الرئيسيةمقالاتالاستباحة الكبرى ...

الاستباحة الكبرى بقلم: حمد يوسف حمد


يقف العالم العربي اليوم أمام لحظة مكاشفة قاسية تتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر لتلامس جوهر البقاء السياسي في منطقة تعيد تشكيل نفسها تحت وطأة النيران، إن ما نشهده من مواجهة محتدمة بين إيران وإسرائيل ليس مجرد جولة من جولات تصفية الحسابات الإقليمية بل هو زلزال يضرب المفاهيم الراسخة ويكشف عن وجه جديد للواقع الأمريكي الذي بدا أكثر انحيازاً وترقباً للحظة الانكسار الكبير، هذا الانكسار الذي قد يغير مفهوم التوازن الإقليمي برمته خاصة إذا ما أدت نتائج هذه الحرب إلى خسارة إيرانية فادحة وهو السيناريو الذي سيفضي بالضرورة إلى تحول في طبيعة التهديدات المحدقة بالدول العربية حيث ستجد المنطقة نفسها وجهاً لوجه أمام مشروع إسرائيلي توسعي لم يعد يجد ما يكبح جماحه.
إن الخطورة الكامنة في تراجع النفوذ الإيراني أو انكساره لا تكمن في الدفاع عن المشروع الإيراني بحد ذاته بل في الفراغ الاستراتيجي المخيف الذي سيخلفه هذا السقوط في ظل غياب مشروع عربي موحد وقادر على ملء الساحة، وهنا يبرز التخوف الحقيقي من أن تتحول الهزيمة الإيرانية إلى ضوء أخضر لاستباحة المنطقة العربية من قبل إسرائيل التي ستسعى حينها لتوسيع مشروعها القادم وفرض هيمنة مطلقة تتجاوز الجغرافيا لتشمل القرار السياسي والاقتصادي والأمني، فالمفهوم الأمريكي للأمن في الشرق الأوسط يبدو أنه يتجه نحو تكريس التفوق الإسرائيلي كقوة وحيدة مهيمنة مما يجعل الدول العربية في موقف الدفاع عن الوجود أمام أطماع لا سقف لها تبدأ بفرض التبعية ولا تنتهي عند حدود إعادة رسم الخرائط لخدمة المصالح الإسرائيلية الصرفة.
هذا الواقع المكتشف يفرض على العقل العربي قراءة المشهد بعيداً عن الانفعالات اللحظية فالاستباحة القادمة لن تفرق بين حليف أو خصم إذا ما استُفرد بالمنطقة تحت غطاء الاستقرار الجديد، إن المشروع الإسرائيلي الذي يلوح في الأفق يعتمد بالأساس على تفتيت القوى الإقليمية وتحويل الدول الوطنية إلى كيانات وظيفية تخدم المركزية الإسرائيلية تكنولوجياً واقتصادياً، لذا فإن مواجهة هذا الانكسار تتطلب نهوضاً فورياً يدرك أن الرهان على التوازنات الخارجية قد انتهى وأن حماية المقدرات العربية تبدأ من صناعة قطب عربي ذاتي قادر على التصدي لمحاولات الاستباحة ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتجارب الهيمنة القادمة التي لن ترحم أحداً في حال اكتملت فصولها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات