تشهد المنطقة لحظة فارقة في تاريخها السياسي والعسكري. التصعيد بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران، واتساع دائرة الاشتباك لتشمل إسرائيل، لم يعد مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، بل تحول إلى زلزال جيوسياسي تتردد أصداؤه في كل العواصم.
المشهد سادتي يبدو مرتبكاً، متسارعاً، تتغير ملامحه كل دقيقة. ضربة هنا، تهديد هناك، بيانات عسكرية متلاحقة، وتحركات دبلوماسية في الخفاء.
وبالطبع سادتي في مثل هذه اللحظات يصبح التحليل مغامرة، والتكهن مجازفة. لكن رغم هذا الضباب الكثيف، يمكن قراءة بعض الملامح العامة للصورة.
استهداف إيران للقواعد الأمريكية في دول الخليج إن صحّت دوافعه كما يُفهم من سياق الأحداث لا يبدو موجهاً لتلك الدول بقدر ما هو رسالة مباشرة إلى واشنطن: “تعطيل الرد قبل أن يتسع مداه”. هو تكتيك ردعي أكثر منه رغبة في فتح جبهات جديدة. فالحرب، حين تتجاوز أهدافها المحددة، تتحول إلى نار لا يمكن التحكم في مساراتها.
غير أن الخطر الحقيقي سادتي يكمن في احتمالات الانزلاق. فالتصعيد بين إيران وأمريكا وإسرائيل يحمل في داخله قابلية التمدد إلى ما هو أبعد من الضربات المتبادلة. وكلما ارتفع سقف التهديدات، اقتربت المنطقة من حافة مواجهة أوسع، قد لا تبقى محصورة في إطار عسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحتى الاستقرار الاجتماعي في دول بعيدة جغرافياً عن مسرح العمليات.
الأيام بالفعل حبلى بالأحداث. وفي مثل هذه اللحظات تتكشف القوة الحقيقية لكل حلف، ليس فقط في عدد الصواريخ أو حجم الترسانة، بل في القدرة على إدارة الأزمة، وضبط الإيقاع، ومنع الانفجار الشامل.
أما على الصعيد السوداني سادتي ، فإن قراءة المشهد الإقليمي يجب أن تكون بعين المصلحة الوطنية أولاً. حين تنشغل القوى الكبرى بإعادة ترتيب أوراقها، تتبدل أولوياتها، وتتغير خرائط الدعم والضغط. وهذه لحظة تتطلب يقظة لا اندفاعاً عاطفياً.
رفع وتيرة العمليات العسكرية إن كان قراراً وطنياً يجب أن يكون محكوماً بحسابات دقيقة لا بشعار “الفرصة المتاحة”. فالحروب لا تُحسم فقط بالزمن، بل بمدى الجاهزية، وبالقدرة على إدارة ما بعد الحسم. والانشغال الخارجي لا يعني بالضرورة غياب التأثير، بل ربما يعني إعادة تشكيله بطرق أكثر تعقيداً.
السودان اليوم أحوج ما يكون إلى رؤية شاملة: إنهاء الصراع، تثبيت الاستقرار، ثم التفرغ الكامل لبناء الدولة. فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي تحسن استثمار اللحظات الفاصلة هي التي تخرج أقوى، أما التي تندفع دون حساب فقد تجد نفسها في معركة أكبر من قدرتها.
العالم يعيد ترتيب أوراقه. والمنطقة تقف على مفترق طرق. وبين ضجيج الصواريخ وصمت الغرف المغلقة، يبقى السؤال من يملك الحكمة الكافية ليمنع اتساع النار قبل أن تحرق الجميع؟
