السبت, فبراير 28, 2026

حديث السبت اجتياح مستريحة يفتح خفايا وأسرار صناعة الأزمة يوسف عبدالمنان يكتب….

لماذا انتقلت أسرة حميدتي من شمال دارفور إلى محيط نيالا؟

هل يدخل محاميد ليبيا وتشاد وتونس في الصراع ؟

هذه هي الخيارات المتاحة أمام موسى هلال “…”

1
بعد أن اجتاحت مليشيا الدعم السريع دامرة مستريحة بشمال دارفور وتحديداً شمال غرب كتم فتحت ملف الصراع “العربي العربي” في دارفور وغاص الصحافي الكبير الصادق الرزيقي بقلمه السيّال ومعلوماته الغزيرة عميقاً في خلفيات الصراع الذي بلغ ذروته الآن بطرد موسى هلال من دارفور وبسط حميدتي سيطرته على كل مناطق تواجد الرزيقات وتنصيب نفسه زعيماً فوق السلطة الأهلية التقليدية في الضعين حيث ( حاكورة) الرزيقات ودَمَر الشمال التي بسط الرزيقات سيطرتهم عليها بوضع اليد التي تحمل البندقية بعد حرب “٢٠٠٣” بين الحكومة المركزية وحركات التمرّد التي ساهمت هي الأخرى في تنامي سرطان حميدتي من حيث لاتدري حينما قدمت أطروحة تخلّت عنها لاحقاً وهي ( اسم تحرير دارفور) وهي أطروحة أثارت فزع القبائل العربية خوفاً من طردها من مناطقها تحت شعار التحرير وساهم طرح التحرير في دفع المؤتمر الوطني والإعلام للتصدي له، وكاتب هذه السطور كان واحداً ممن سطّر مقالات عديدة متسائلاً عن تحرير دارفور من من؟؟ رغم أن كل الحركات وهي حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد ومن ثم مناوي تخلّت عن تحرير دارفور ولم يعد في أدبيات الحركة ترديد هذا الإسم الذي اُستغل في التعبئة لمشروع الحرب للقضاء على التمرد في دارفور وقد تصدّى موسى هلال بعد خروجه من السجن في عام ٢٠٠٤ مبادرة قادها الفريق عوض ابن عوف والعقيد وقتها عبدالفتاح البرهان وأبناء الرزيقات اللواء طيار عبدالله صافي النور والفريق حسين عبدالله جبريل والصادق الرزيقي وآدم جماع ونجحت تلك المبادرة في( إخراج) موسى هلال من سجن بورتسودان الذي قبع فيه بأمر الفريق إبراهيم سليمان وكان يتمتّع بسلطة حاكم إقليم دارفور رغم عدم وجود سند دستوري قانوني لسلطة إبراهيم سليمان ولكن الحكومة وقتها كانت لاتعبأ كثيراً للدستور والقانون في القضايا التي تمس جوهر وجودها ،ومن النقاط التي تغافل عنها الأستاذ الصادق الرزيقي أو سقطت سهواً من مقاله الغزير بالمعلومات لماذا انتقلت أسرة حميدتي من دمَر الرزيقات في شمال دارفور إلى حول نيالا وتحديداً منطقة دومي التي أصبحت تسمى (ام القرى) في محاولة لاصباغ هوية إسلامية عربية على واحدة من مناطق الفور تقع تحت سيطرت الشرتاي أبكر هارون؟
ارتكبت أسرة أو فخذ الرزيقات الماهرية المعروف بأولاد منصور وهو جد حميدتي جريمة قتل في منطقة دَمَر المحاميد غرب كتم ( والدامرة) هي منطقة تختارها القبائل الرعوية مقاماً مؤقتاً للعجزة وكبار السن والنساء للإقامة فيها طوال فترة الصيف بينما يتجه الرجال والصبية والفتيان بالابل أو الغنم أو الأبقار نحو الجنوب بحثاً عن الماء والعشب وبالتالي الدَمَر يتغيّر من مكان لآخر في حواكير القبائل والمجموعات السكانية المستقرة سواء كانت زنجية أو عربية وأسرة حميدتي هاجرت من تشاد إلى السودان حينما ضرب الجفاف والتصحّر أجزاء واسعة من جنوب الصحراء والساحل الغربي والشرقي من القارة الأفريقية وذلك عامي ١٩٨٤ و١٩٨٥م، ودخلت عشيرة حميدتي السودان واستقرت في بادية شمال دارفور وغربها وانضمت لشياخة حمدين الدود وهو شيخ قبائل الماهرية ولم تنضم لشياخة هلال عبدالله من الماهرية ولا الي أم جلول وهم فرع من المحاميد ولكنها ارتكبت جريمة قتل وفي أعراف وتقاليد البدو إذا ارتكبت جريمة قتل يتم( تغريبك) كما في الفقه الإسلامي أو (صفك) كما في أعراف القبائل العربية واستقبل الفور عرب الرزيقات الماهرية أولاد منصور وتم منحهم أرضا أشرنا إليها في صدر المقال شمال غرب الملم شرتاوية أبكر هارون قبل أن يغدروا بالشرتاي الذي آواهم ساعة عسرة ويشعلون النار في قريته ويفرضون عليه النزوح القسري ،واستفاد عرب اولاد منصور من موقع هجرتهم الأولى وتكوين إمبراطورية لاحقاً في محيط فقير أطلق عليها اسم أم القرى “مكة اولاد منصور” ومن هناك بدأت أولى خطوات الانفصال عن كبيرهم وشيخهم موسى هلال الذي خاض بهم كل معارك طويلة وجبل سي وجبل مرة وفي تلك المعارك ارتكبت قوات حرس الحدود فظائع بحق المدنيين قادت لاحقاً لطلب المحكمة الجنائية موسى هلال وآخرين حتى الرئيس البشير لرفضه تسليم هارون وكوشيب وموسى هلال.
2
الهجرة الثانية لحميدتي وعشيرته بدأت بحادث قتل شهدته مدينة كبكابية لأحد قادة قوات استخبارات حرس الحدود يدعي (دقيرشو) في حفل طرب وبهجة أصابته طلقة وأردته قتيلاً في الحال ودقيرشو من قادة استخبارات حرس الحدود وبرز في القتال الميداني كفارس مغوار وقيل أن الشيخ موسى هلال كان يخشى صعوده في الميدان ويتوجّس منه خوفاً لذلك أتهم الماهرية الشيخ موسى هلال بقتل دقيرشو وشهدت المنطقة توتّراً وسط قوات حرس الحدود وكادت أن تواجه بعضها ويحدث اصطفاف مابين الماهرية عشيرة حميدتي والمحاميد عشيرة موسى هلال ولكن تدخّلت قيادات مركزية في الخرطوم وقاد المهندس عبدالله مسار والمهندس محمد عبدالرحمن حمودة والصادق الرزيقي نفسه وعبدالله صافي النور مبادرة رأب الصدع وقيل حينها أن الشيخ موسى هلال أقسم على المصحف بأنه لاعلاقة له بقتل دقيرشو ولكن عبدالله مسار وكان حينها مستشاراً بالقصر قاد مبادرة أو قدّم مقترحاً للرئيس البشير أصبح فيما بعد ذلك المقترح وبالا على البلاد برمّتها طلب السيد مسار من الرئيس تقسيم قوات حرس الحدود لثلاثة قطاعات منفصلة الشيخ موسى هلال يقود قوة تتبع للفرقة السادسة الفاشر وحميدتي يقود قوات تتبع للفرقة “١٦” نيالا وإدريس حسن يقود قوات تتبع للجنينة ووجد الاقتراح هوي لدى الفريق وقتها عمر البشير لكن السؤال لماذا تم تكوين قوات حرس الحدود وتبعيتها للاستخبارات العسكرية؟ ولماذا لم ينضم موسى هلال وحميدتي إلى الدفاع الشعبي حينها؟
فكرة الدفاع الشعبي تنهض على التطوّع والقتال من أجل قيم الدين ولايتلقى المجاهد ولا أموال لاتقيم الأود، فقط بضع جنيهات تسمى الخلافة في الأهل وهي قوات شديدة الإيمان بفكرة مشروع الدولة الإسلامية وشعاراتها لا اله الا الله وذلك ماوجد هوى في نفوس الرزيقات البقارة في جنوب دارفور منطقة الضعين وأبو مطارق وعسلاية والفردوس (عضان الحمار سابقاً) وقاتل الرزيقات البقارة في صف القوات المسلحة سواء عبر مليشيا (أم باغة) أو الدفاع الشعبي الذي كان قادته جميعاً من القوات المسلحة وهذا مالم يرق لموسى هلال وحميدتي حيث تم تكوين قوات استخبارات الحدود وتتبيعها لجهاز الاستخبارات الذي كان يملك أموالاً وسطوة وهيبة واتخذت سياسة توزيع النمر العسكرية والنمرة هي رقم يتم منحه لمنسوبي القوات المسلحة ولكن بشأن قوات استخبارات الحدود كانت النمر يتم توزيعها على قادة القبائل وزعماء العشائر ويتهافت البعض على النمر العسكرية رغبة في الحصول على المال حيث تدفع استخبارات القوات المسلحة أموالاً بعدد الحصى لجنرالات المال لا الحرب وكانت الطائرة المروحية تهبط في الفلوات والأودية ودَمَر الرحل وتقذف بجوالات الدنانير ويتهافت أثرياء الحرب وهم يخادعون الحكومة بالولاء لها ولكنهم كانوا يبحثون عن المال تنامت ثروات مالية ضخمة وشيّد جنرالات الحرب العمارات الشاهقة في الخرطوم بتلك الأموال وعندما وقعت اتفاقية الدوحة قرّرت الدولة حينها إحصاء عدد قوات حرس الحدود التي يبلغ عددها في كشوفات المرتبات “٢٠” الف جندي وضابط ولكن كان عددهم في الواقع “٥” الف جندي وضابط ورواتب ال”١٥” الف الشهرية تذهب للإبل السمان وليس القطط والإبل أكثر شراهة في الأكل من القط ولتلك الأموال جاءت هجرة حميدتي وكذلك موسى هلال من مضارب الصحاري في دارفور إلى قلب الخرطوم واختار حميدتي منطقة جبرة بينما شيّد موسى هلال وادومة ضيع في ضاحية سوبا شرق أما الهجرة الرابعة فهي هجرة مابعد الحرب حيث هاجرت أسرة حميدتي من حي جبرة إلى قلاع أبوظبي ودبي والشارقة ونيروبي، ولاتدري نفساً بأي أرض تموت ،وربما كانت الهجرة الرابعة الي واشنطون أو إلى مقابر أحمد شرفي أو سجن نيالا أو كوبر الذي بدأت صيانته لمرحلة مابعد الحرب ولايعاب المرء لهجرته من مكان لآخر فقد هاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة والشام ومصر ومن مكة إلى المدينة لاتعتبر أصول حميدتي وعشيرته التشادية منقصة ولكن المرء مخبوء تحت سلوكه وكثير من مكونات السودان تمتد جذورها إلى دول الجوار، الكنوز في الشمال لديهم امتدادات في كصر والبني عامر في السودان لديهم امتدادات كذلك إريتريا ولأن السودان أرض هجرات فقد توافدت اليه شعوب من مشارب شتى وأصول مختلفة ولكن الجهل في السودان يجعل انتماء الفرد لجذور تشادية أو إثيوبية أو اريترية أو تركية منقصة في نظر البعض ، ولكن الرئيس المصري انور السادات والدته ست البرين من عرب الكبابيش في السودان وللأستاذ خالد الشيخ قصص وحكايات عن والدة السادات السودانية وحميدتي الذي بلغ نائب رئيس مجلس السيادة في السودان لايمسه لغو إذا مانسب إلى دولة تشاد.
3
والسؤال بعد هذه السردية التي من يقرأها يتسلّل إليه الملل هل من العودة إلى رتق فتق مابعد مستريحة؟ وهل يستطيع موسى هلال قيادة ثورة لاقتلاع جنديه السابق من مستريحة على الأقل؟ تظل العصبية القبلية حاضرة في مشاهد الصراع في السودان ومابين الماهرية والمحاميد الآن جرحاً عميقاً جداً قد لايشفي دون حرب قادمة مهما طال أمدها، ولكن السؤال أين المحاميد وأين الماهرية اولاً من حيث العدد داخل السودان يعتبر الماهرية من عشيرة حميدتي هم أكثرية وخاصة في الضعين وعسلاية ولكن المحاميد لديهم وجود كبير في منطقة الفردوس لذلك حينما سجن حسبو محمد عبدالرحمن وهو من الماهرية الشيخ موسى هلال بعد حادثة مقتل إبن عم حميدتي وزوج اخته العقيد عبدالرحيم جمعه دقلو سعى حسبو لتحييد محاميد شرق دارفور الذين لم يبدون تعاطفاً مع هلال حينها ،ولكن المحاميد أغلبيتهم في شمال دارفور وفي غربها وثقلهم في تشاد وليبيا وتونس وقد بلغت حتى مساء الخميس التحشيدات ذروتها مناصرة للشيخ موسى هلال. بيد أن الشيخ بوصوله الشمالية كما يتردّد قد أصبح خارج نطاق الصراع في دارفور ولم يعد أمامه غير انتظار القوات المسلحة تقود حملة لتحرير دارفور ووضع يده في يد مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم وأن يردّد بيت الشعر القديم:
إذا احتربت يوماً وسالت دماؤها
تذكرت القربى ففاضت دموعها
ولهلال مع الزغاوة دم ونسب وعشرة سنين رغم ماحدث بينهما بعد حرب ٢٠٠٣ ،ولكن الآن الجرح والقرح الذي أصاب الزغاوة قد مس موسى هلال وفقد دامرته وللحديث بقية.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات