الإثنين, فبراير 23, 2026
الرئيسيةمقالاتالدول الإفريقية بين المهادنة وتأجيج الصراع في السودان… يوغندا ،إثيوبيا وكينيا نموزجا

الدول الإفريقية بين المهادنة وتأجيج الصراع في السودان… يوغندا ،إثيوبيا وكينيا نموزجا


الكاتب/ زكريا علي عبد الرسول

بالامس كتبت مقالا تناولت فيه زيارة حميدتي الي كمبالا وضحت فيها بعض المقاصد والدلالات التي تبدو وكأنها بحثا عن شرعية مفقودة عبر اعتراف برتكولي للرئيس موسيفيني خلف الكاميرات. وعلي الرغم من ان الخطوة لا تعدو كونها زوبعه في فنجان وليس لها اثر يذكر علي الواقع .الا ان الحصافة السياسية تستوجب قراءة هذا المشهد بشيئ من التعمق وفحصة من كل جوانبه حتي لو كانت مستصغرة في نظرنا ووضع رؤئً استراتيجيه لتعامل السودان مع هذه الدول بحيث ترتكز تلك الرؤي علي مبدأ حسن الجوار والتكامل الاقليمي ووضع مصلحة السودان اولا.
كما نوهت الي ان علي الحكومة الانتباه لمثل هذه التحركات وقراءةالمشهد جيدا والعمل علي تفعيل الدور الدبلوماسي ليسير جنبا الي جنب مع العمل الميداني الذي ظهرت نتائجه الباهره ضمن الاعتراف الصريح بالهزيمة لقوات الدعم السريع ومرتزقتها في الخرطوم وام درمان وجبل اولياء وباقي المدن …
وحتي تكون الحكومة علي هدي ورشد في عملها الدبلوماسي الافريقي نضع بين ايديها هذا التحليل لمواقف بعض الدول الافريقية ودورها في تأجيج الصراع في السودان .

 منذ اندلاع الحرب في السودان، بدا الموقف الإفريقي وكأنه يتحرك في مسارين متوازيين: ١-خطاب رسمي يدعو إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي.

٢- حراك عملي تحكمه حسابات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية لكل دولة.
وبين هذين المسارين، يتشكل دور بعض العواصم الإفريقية لا بوصفها وسطاء محايدين فحسب، بل كفاعلين إقليميين يعيدون ترتيب أولوياتهم على ضوء التحولات في بورتسودان.
في هذا السياق، تمثل يوغندا نموذجًا دالًا لفهم التوازن الدقيق بين “المهادنة الدبلوماسية” و”التموضع الاستراتيجي”، وهو نموذج يكتمل وضوحه عند مقارنته بمقاربتي إثيوبيا وكينيا.

  • أولًا: الإطار الإفريقي وحدود التأثير:-
    تحرك الاتحاد الإفريقي منذ الأيام الأولى للأزمة بخطاب تقليدي يرفض الحلول العسكرية ويدعو إلى استعادة المسار المدني. غير أن هذا الموقف ظل محكومًا بمحدودية أدوات الإلزام، وبتباين أولويات الدول الأعضاء.
    أما إيغاد، فقد حاولت تفعيل مسار وساطة إقليمي، لكن المبادرة اصطدمت بتحفظات سودانية حول الحياد، وبواقع إقليمي معقد تتداخل فيه المصالح الأمنية والاقتصادية.
    وهكذا، بدا أن المنظومة الإفريقية أقرب إلى “إدارة الأزمة” منها إلى فرض تسوية ملزمة، تاركة مساحة واسعة لحسابات الدول منفردة.
  • ثانيًا: يوغندا… بين براغماتية الأمن والتموضع الحذر:-
    تنظر يوغندا إلى ما يجري في السودان من منظور أمني بالدرجة الأولى. فمحيطها الإقليمي هش، يمتد من شرق الكونغو إلى جنوب السودان، وأي انفلات شامل في الخرطوم قد يعيد إنتاج شبكات تهريب السلاح أو يعيد خلط أوراق التوازنات في جوبا.إن العلاقة الوثيقة بين كمبالا وجوبا تجعل استقرار جنوب السودان أولوية مباشرة للقيادة اليوغندية. ومن ثم، فإن مآلات الحرب في السودان ليست شأنًا بعيدًا، بل عاملًا مؤثرًا في معادلة الأمن القومي اليوغندي.
    الرئيس يوري موسيفيني، المعروف ببراغماتيته، يميل إلى سياسات تمنع صعود قوى مسلحة قد تربك التوازنات الإقليمية. لذلك تبدو مقاربة يوغندا أقرب إلى “الاحتواء الهادئ”: لا انخراط عسكري مباشر، ولا صدام علني، لكن مع مراقبة دقيقة لمسار الأحداث واستعدادا للتأثير في مرحلة ما بعد الحرب. ولكن السؤال هل يعني ذلك تأجيجًا للصراع؟ ليس بالضرورة بصورة مباشرة، لكنه تموضع محسوب يهدف إلى حماية المصالح، حتى وإن بدا في بعض الأحيان انحيازًاغيرمعلن.

•ثالثًا: إثيوبيا… مابين الانتظار الاستراتيجي وتقاطعات الحدود:-
بالنسبة إلى إثيوبيا، تتقاطع الأزمة السودانية مع ملفات حساسة، أبرزها النزاع الحدودي في الفشقة وملف سد النهضة. لذلك فهي تنظر الي ضعف الدولة السودانية أو انشغالها بحرب داخلية يخفف الضغط على أديس أبابا في ملف الحدود، ويعيد ترتيب موازين التفاوض في قضية سد النهضه. في الوقت ذاته، لا ترغب إثيوبيا في انهيار كامل قد يخلق فراغًا أمنيًا على حدودها الغربية.بعد حربها مع التيغراي، تميل أديس أبابا إلى تجنب فتح جبهات توتر إضافية، ما يجعلها أقرب إلى ممارسة سياسة الانتظار الاستراتيجي ومراقبة التطورات، وتفادي التصعيد، مع الاستفادة من أي تحولات في ميزان القوى.إنها مقاربة لا تتسم بالصخب، لكنها ليست محايدة تمامًا، بل تحكمها معادلة دقيقة بين تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب.

•رابعًا: كينيا… بين الطموح الدبلوماسي وحدود الحياد:-
على الضفة الأخرى، تسعى كينيا إلى لعب دور أكثر علنية عبر تفعيل مسار إيغاد وتقديم نفسها وسيطًا إقليميًا.نيروبي التي راكمت خبرتها عبر استضافتها لمفاوضات جنوب السودان سابقًا، تنظر إلى الأزمة السودانية كفرصة لتعزيز موقعها كعاصمة دبلوماسية لشرق إفريقيا. غير أن هذا الطموح اصطدم بتحفظات من طرف الحكومة السودانية التي شككت في حياديتها.وتتبنى كينيا خطابًا قريبًا من المقاربة الدولية الداعية لوقف النار والانتقال المدني، لكنها تبقى أسيرة التوازن بين علاقاتها الإقليمية وشراكاتها الغربية. وهنا يظهر التحدي: كيف تحافظ على صورة الوسيط، دون أن تُحسب على محور بعينه؟ يبدو ذلك مستحيلا خاصة بعض استضافتها المعلنه لانشطة الدعم السريع والتنظمات التي تعمل معها.

  • فبين المهادنة وتأجيج الصراع… قراءة مقارنة
    إذا وضعنا المقاربات الثلاث جنبًا إلى جنب تتضح الفوارق الاتية :-
    •يوغندا تمارس براغماتية أمنية تركز على حماية التوازن الإقليمي.
    •إثيوبيا تعتمد تموضعًا استراتيجيًا صامتًا مرتبطًا بملفات الحدود وسد النهضه.
    •كينيا تنخرط في دبلوماسية نشطة تسعى لتعزيز دورها الإقليمي.
    ولكن ما يجمعها جميعًا هو أولوية المصلحة الوطنية على أي تصور تضامني إفريقي شامل. فلا دولة مستعدة للمغامرة بأمنها أو نفوذها من أجل صيغة مثالية للحل في السودان.
    الخلاصة: السودان كساحة لإعادة تشكيل التوازنات
    في المحصلة، لا يمكن اختزال المواقف الإفريقية في ثنائية بسيطة بين “المهادنة” و”التأجيج”. الواقع أكثر تعقيدًا: نحن أمام شبكة من الحسابات المتداخلة، حيث يُنظر إلى السودان بوصفه عنصرًا في معادلة أمن شرق إفريقيا، لا مجرد دولة شقيقة تمر بأزمة.
    المعضلة الحقيقية تكمن في غياب مشروع إفريقي جماعي يتجاوز منطق الدولة القُطرية إلى منطق الأمن الإقليمي المشترك. وبدل أن تكون الأزمة السودانية حافزًا لإعادة بناء منظومة تضامن فعّالة، تحولت إلى اختبار يكشف هشاشة هذه المنظومة.
    يبقى السؤال مفتوحًا:
    هل تستطيع العواصم الإفريقية الانتقال من إدارة تداعيات الأزمة إلى الإسهام الفعلي في حل جذورها؟ أم أن السودان سيظل ساحة تتقاطع فيها المصالح، فيما يدفع شعبه كلفة هذه الازمة وتقاطع مصالح تلك الدول . ،،، سروري وخالص تحياتي ،،،
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات