الأحد, فبراير 8, 2026
الرئيسيةمقالاترؤية سودانية طموحة: "موسمي الحج والعمرة" منصة انطلاق لاستعادة "عرش الزراعة" في...

رؤية سودانية طموحة: “موسمي الحج والعمرة” منصة انطلاق لاستعادة “عرش الزراعة” في الأسواق السعودية

محمد حسن سفيان

في خضم التحديات الاقتصادية والسياسية الجسيمة التي تواجهها البلاد، تبرز في الأفق رؤية استراتيجية جديدة، تتجاوز في طموحها مجرد عمليات التصدير التقليدية المتقطعة، لترسم خارطة طريق تهدف إلى تحويل موسمي الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية إلى “قبلة اقتصادية” للمنتجات الزراعية السودانية.
هذه الرؤية ذات الصلة بالصادر، لا تنظر إلى مواسم الطاعات على أنها مجرد فرصة تجارية عابرة لبيع فوائض الإنتاج، بل تعتبرها “اختباراً وطنياً شاملاً” لقدرة السودان على استعادة مكانته كشريك موثوق في منظومة الأمن الغذائي الإقليمي.
اقتصاديات الحشود.. فرصة لا تتكرر
تستند الرؤية الاستراتيجية على حقيقة اقتصادية دامغة: تستقبل المملكة العربية السعودية ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً، يتركزون في رقعة جغرافية محددة وخلال فترة زمنية ضيقة. هذا التجمع البشري الهائل يخلق طلباً استهلاكياً “انفجارياً” على الغذاء الطازج، يفوق قدرات الإنتاج المحلي السعودي، ويفتح الباب واسعاً للاستيراد.
وهنا تكمن الفرصة الذهبية للسودان. فالقرب الجغرافي عبر البحر الأحمر يمنح المنتج السوداني ميزة تنافسية لا تُضاهى؛ إذ يمكن للخضروات والفواكه أن تُقطف في مزارع السودان وتصل إلى موائد الحجيج والمعتمرين في مكة المكرمة والمدينة المنورة في غضون أيام قليلة، محتفظة بنضارتها وقيمتها الغذائية، وبتكلفة نقل أقل بكثير مقارنة بالمنافسين من قارات أخرى.
الانتقال من العشوائية إلى الاستراتيجية
تتطلب الرؤية الجديدة مغادرة مربع “التصدير العشوائي” الذي طالما أضر بسمعة المنتج السوداني. وبدلاً من إغراق السوق بكل ما هو متاح، تقترح الرؤية التركيز على “سلة منتجات نخبوية” تتناسب مع توقيتات الحج والعمرة واحتياجاتهما.
تشمل هذه السلة المقترحة محاصيل يمتلك فيها السودان ميزة نسبية واضحة، مثل المانجو ذات الجودة العالمية، الموالح (الليمون ، البرتقال والجريب فروت ) المطلوبة بشدة في الأجواء الحارة والموز ، إضافة إلى الخضروات الأساسية كالبصل والبطاطس والطماطم والخيار والخص والفلفلية والجزر، والبطيخ.
يمكن تنفيذ الرؤية مبدئيا بثلاث ولايات هي ولايات نهر النيل ،الشمالية وكسلا وذلك لتشابههم في المناخ والأراضي الزراعية وقربهم من المواني للصادر.
عقبة “الجودة”.. التحدي الوجودي
هذه الرؤية والطريق إلى الأسواق السعودية ليس مفروشاً بالورود. فالمملكة تطبق، عبر هيئة الغذاء والدواء (SFDA)، واحداً من أكثر أنظمة الرقابة صرامة في العالم لضمان سلامة الغذاء لضيوف الرحمن.
لذلك، فإن العمود الفقري لهذه الرؤية الاستراتيجية هو “ثورة في الجودة”. هذا لا يعني فقط فحص المنتج قبل شحنه في الميناء، بل يعني تطبيق نظام تتبع كامل وتقانات زراعية تبدأ من البذرة في المزرعة، مروراً بعمليات الحصاد السليم، وصولاً إلى التعبئة المتطورة، والأهم: إنشاء “سلسلة تبريد” متكاملة وموثوقة تضمن عدم تلف المنتجات تحت شمس السودان الحارقة قبل وصولها للموانئ المبردة في جدة.
ما بعد الحج والعمرة.. الهدف الأسمى
إن الجوهر الحقيقي لهذه الرؤية ليس العائد المادي الآني من موسمي الحج والعمرة فحسب، بل ما يمثله النجاح فيه من رمزية.
إن تمكن السودان من تصدير منتجات زراعية “صفر عيوب” وخالية من الملوثات ومطابقة للمواصفات السعودية خلال فترة الذروة هذه، سيكون بمثابة “شهادة اعتماد دولية” للمنتج السوداني. هذا النجاح سيكسر حاجز عدم الثقة الذي تراكم لسنوات، وسيفتح الباب أمام عقود توريد مستدامة طوال العام، ليعيد للزراعة السودانية دورها المفقود كقاطرة حقيقية للاقتصاد الوطني، ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة التي تحتاجها البلاد بشدة لإعادة البناء.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات