الأحد, فبراير 8, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة الموقف السعودي… الحقيقة التي فضحت زيف الادعاءات

نايلة علي محمد الخليفة

يروي في الحكايات الشعبية السودانية أن رجلًا ثريًا كان له جار فقير طمِع في ماله ، فجاءه يومًا مدّعيًا المهارة والخبرة وقال له أنا مهندس بارع ، وسأبني لك أجمل قصر في القرية ، انخدع الثري بجميل الكلام ووافق ، فبدأ الفقير مشروع البناء ، وأخذ يجمع الأموال ويشيد الجدران ،
وكلما اقترب القصر من الاكتمال ، كان ذلك الفقير نفسه يحرّض عصابته ليلًا لتأتي فتهدم ما تم إنجازه ، وفي الصباح يعود في ثوب المقاول المخلص ، يتحسّبن ويذرف الدموع ، ويلعن من فعلوا ذلك ، ثم يطلب مزيدًا من المال ليعيد البناء من جديد ،
تكرر المشهد مرات عديدة حتى ملّ الثري من هذا الدوران في الحلقة الفارغة ، وبدأ يشك في الأمر ، إلى أن انكشف له أخيرًا أن المقاول المسكين هو نفسه صانع الخراب ، عندها لجأ الفقير إلى حيلة أخيرة ، فعرض على الثري أن يتولى إدارة القصر بنفسه بحجة حفظه من الأذى ، لكن الثري هذه المرة كان قد فهم اللعبة جيدًا ، فردّ عليه بحزم “المغطّى على الله مكشوف، وحريقك فضحوا الدخان ، اتطلب الله وما أشوفك على عيني تاني”.

هذه الحكاية الشعبية البسيطة تختصر بصورة مذهلة ما يجري اليوم في محيطنا الإقليمي ، فكم من طرف يرفع شعار البناء والاستقرار ، بينما يمدّ يدًا خفية لإشعال الحرائق في الدول من الخلف ، وكم من جهة تتباكى على معاناة الشعوب ، وهي ذاتها التي تموّل السلاح وتغذّي الفوضى ، التصريح السعودي الرسمي الأخير بشأن السودان جاء ليشبه صرخة ذلك الثري في وجه المقاول المحتال ، بيان واضح شديد اللهجة، أدان هجمات مليشيا الدعم السريع ، ورفض التدخلات الخارجية ، وتحدث بصراحة عن إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة إلى السودان ، واعتبر ذلك العامل الرئيسي في إطالة أمد الصراع ، هذا الموقف لم يكن مجرد جملة دبلوماسية في بيان ، بل إعلان حقيقة ظل السودانيون يرددونها منذ اندلاع الحرب ، أن هناك دولًا تتحدث نهارًا عن السلام ، وتعمل ليلًا على تأجيج الصراع ، وهنا تحديدًا انكشف زيف الادعاءات الإماراتية التي طالما قدمت نفسها راعيًا للاستقرار وداعمًا للحلول السياسية ، بينما الوقائع على الأرض تشير إلى العكس تماما ، فما يجري في السودان اليوم ليس سوى نسخة مكررة مما حدث في اليمن من قبل ، دعم أطراف مسلحة خارج إطار الدولة ، وتمويل إعلامي وسياسي لإطالة عمر الأزمات ، والتربّح من صراعات الشعوب.

الأهمية الكبرى في الموقف السعودي أنه جاء منسجمًا مع رؤية إقليمية آخذة في التشكل ، قوامها التنسيق السعودي التركي المصري السوداني القطري، وهي رؤية تقوم على حماية الدولة الوطنية ، ودعم الجيوش النظامية ، ورفض مشاريع المليشيات والمرتزقة ، هذا التوافق الجديد يدرك أن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ ، وأن استقرار السودان جزء أساسي من استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي والعالم العربي بأسره ، لقد أدركت هذه الدول أن المجاملات السياسية لم تعد تجدي ، وأن الصمت على العبث الخارجي لم يعد ممكنًا ، ومن هنا جاء البيان السعودي ليقول بوضوح ما كان يقال همسًا ، إدخال السلاح والمرتزقة هو الجريمة الكبرى في حق السودان ، وهو السبب الحقيقي لمعاناة شعبه.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مقاولين جدد للهدم ، ولا إلى أوصياء مزيفين على مستقبله ، بل إلى مواقف صادقة تحترم إرادة شعبه وسيادته ، والرسالة السعودية كانت أكثر وضوحًا ، من يريد السلام فليوقف أولًا أدوات الحرب ، وكما قالت الحكاية الشعبية في فاتحة العمود ، “المغطّى على الله مكشوف، والحريق فضحوا الدخان” ، ففي السودان ارتفع الدخان عاليًا ، فانكشفت الحقائق ، وسقطت الأقنعة… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات