نايلة علي محمد الخليفة
يروي في الحكايات الشعبية السودانية أن رجلًا ثريًا كان له جار فقير طمِع في ماله ، فجاءه يومًا مدّعيًا المهارة والخبرة وقال له أنا مهندس بارع ، وسأبني لك أجمل قصر في القرية ، انخدع الثري بجميل الكلام ووافق ، فبدأ الفقير مشروع البناء ، وأخذ يجمع الأموال ويشيد الجدران ،
وكلما اقترب القصر من الاكتمال ، كان ذلك الفقير نفسه يحرّض عصابته ليلًا لتأتي فتهدم ما تم إنجازه ، وفي الصباح يعود في ثوب المقاول المخلص ، يتحسّبن ويذرف الدموع ، ويلعن من فعلوا ذلك ، ثم يطلب مزيدًا من المال ليعيد البناء من جديد ،
تكرر المشهد مرات عديدة حتى ملّ الثري من هذا الدوران في الحلقة الفارغة ، وبدأ يشك في الأمر ، إلى أن انكشف له أخيرًا أن المقاول المسكين هو نفسه صانع الخراب ، عندها لجأ الفقير إلى حيلة أخيرة ، فعرض على الثري أن يتولى إدارة القصر بنفسه بحجة حفظه من الأذى ، لكن الثري هذه المرة كان قد فهم اللعبة جيدًا ، فردّ عليه بحزم “المغطّى على الله مكشوف، وحريقك فضحوا الدخان ، اتطلب الله وما أشوفك على عيني تاني”.
هذه الحكاية الشعبية البسيطة تختصر بصورة مذهلة ما يجري اليوم في محيطنا الإقليمي ، فكم من طرف يرفع شعار البناء والاستقرار ، بينما يمدّ يدًا خفية لإشعال الحرائق في الدول من الخلف ، وكم من جهة تتباكى على معاناة الشعوب ، وهي ذاتها التي تموّل السلاح وتغذّي الفوضى ، التصريح السعودي الرسمي الأخير بشأن السودان جاء ليشبه صرخة ذلك الثري في وجه المقاول المحتال ، بيان واضح شديد اللهجة، أدان هجمات مليشيا الدعم السريع ، ورفض التدخلات الخارجية ، وتحدث بصراحة عن إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة إلى السودان ، واعتبر ذلك العامل الرئيسي في إطالة أمد الصراع ، هذا الموقف لم يكن مجرد جملة دبلوماسية في بيان ، بل إعلان حقيقة ظل السودانيون يرددونها منذ اندلاع الحرب ، أن هناك دولًا تتحدث نهارًا عن السلام ، وتعمل ليلًا على تأجيج الصراع ، وهنا تحديدًا انكشف زيف الادعاءات الإماراتية التي طالما قدمت نفسها راعيًا للاستقرار وداعمًا للحلول السياسية ، بينما الوقائع على الأرض تشير إلى العكس تماما ، فما يجري في السودان اليوم ليس سوى نسخة مكررة مما حدث في اليمن من قبل ، دعم أطراف مسلحة خارج إطار الدولة ، وتمويل إعلامي وسياسي لإطالة عمر الأزمات ، والتربّح من صراعات الشعوب.
الأهمية الكبرى في الموقف السعودي أنه جاء منسجمًا مع رؤية إقليمية آخذة في التشكل ، قوامها التنسيق السعودي التركي المصري السوداني القطري، وهي رؤية تقوم على حماية الدولة الوطنية ، ودعم الجيوش النظامية ، ورفض مشاريع المليشيات والمرتزقة ، هذا التوافق الجديد يدرك أن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ ، وأن استقرار السودان جزء أساسي من استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي والعالم العربي بأسره ، لقد أدركت هذه الدول أن المجاملات السياسية لم تعد تجدي ، وأن الصمت على العبث الخارجي لم يعد ممكنًا ، ومن هنا جاء البيان السعودي ليقول بوضوح ما كان يقال همسًا ، إدخال السلاح والمرتزقة هو الجريمة الكبرى في حق السودان ، وهو السبب الحقيقي لمعاناة شعبه.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مقاولين جدد للهدم ، ولا إلى أوصياء مزيفين على مستقبله ، بل إلى مواقف صادقة تحترم إرادة شعبه وسيادته ، والرسالة السعودية كانت أكثر وضوحًا ، من يريد السلام فليوقف أولًا أدوات الحرب ، وكما قالت الحكاية الشعبية في فاتحة العمود ، “المغطّى على الله مكشوف، والحريق فضحوا الدخان” ، ففي السودان ارتفع الدخان عاليًا ، فانكشفت الحقائق ، وسقطت الأقنعة… لنا عودة.
