الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة مطار الخرطوم يعود بجناحي سودانير

نايلة علي محمد الخليفة

أكاد أجزم أن كل من شاهد طائرة “سودانير” وهي تعود للتحليق في فضاء الوطن بعد غيبة طويلة ، لم يتمالك نفسه من البكاء فرحًا ، تلك اللحظة لم تكن مجرد هبوط طائرة على مدرج ، بل كانت هبوط أملٍ على قلب شعبٍ أرهقته الحرب والشات ، اختيار أن تكون أولى الرحلات الداخلية لسودانير وجهتها مطار الخرطوم، هذا الإختيار حمل رسالة رمزية بليغة المعاني ، العاصمة التي أرادوها مدينة مهجورة تعود اليوم لتتنفس من جديد.

من خلف الشاشة تابعت المشهد وسودانير تهبط رويدًا رويدًا ، ندبت حظي وتمنيت لو كنت شاهدة عيان ، أو واحدة من ركاب تلك الرحلة، تخيلت وجوه المسافرين المستقبلين ، دهشتهم دموعهم ، إحساسهم بأن شيئًا من السودان الذي نعرفه قد عاد ، لم تكن طائرة عادية ، كانت جناحين يحملان ذاكرة وطن ، وتاريخ ناقل قومي ظل لسنوات رمزًا للسيادة والانتماء.

نعم عاد مطار الخرطوم للعمل ، وعادت سودانير لتحلق بأجنحتها في السماء ، وقبل ذلك عادت الخرطوم نفسها بشحمها ولحمها من قيد الجنجويد ، عادت المدينةً وروحًا وناسًا، عادت الشوارع التي حاولوا طمسها ، والبيوت التي ظنوا أن أبوابها أُغلقت إلى الأبد ، والأحلام التي أرادوا لها أن تُدفن تحت الركام ، اليوم يثبت السودان مرة أخرى ، أنه أكبر من كل مؤامرة ، وأقوى من كل خراب.

هذه العودة ليست حدثًا لوجستيًا فحسب ، بل إعلان تعافٍ وطني ، رسالة واضحة بأن الدولة التي راهنوا على سقوطها ما زالت واقفة ، وأن المؤسسات التي سعوا لتفكيكها تعود أقوى، سودانير ليست مجرد شركة طيران ، إنها جزء من هوية هذا البلد وعندما تعود ، فإن جزءًا من كرامتنا الوطنية يعود معها.

لن يتألم اليوم إلا الذين اعتادوا على الخراب ، أولئك الذين ولغوا في العمالة حتى صار كل نجاح للسودان يزعجهم ويقض مضاجعهم ، لن يتألم إلا الأوباش من مليشيا الجنجويد وأذرعهم السياسية بشقيها صمود وتأسيس ، وكل من ارتبط مشروعه ببقاء الخرطوم محطمة والسودان ممزقًا، هؤلاء يرون في كل خطوة تعافٍ هزيمة شخصية لهم ، سيتألم كذلك الكفيل الخارجي الذي كان يريد للسودان أن يكون الابن المطيع ، التابع الخاضع ، تُنهب ثرواته بلا مقاومة، عودة مطار الخرطوم تعني أن القرار الوطني يسترد عافيته ، وأن هذا البلد يرفض أن يُدار بالريموت كنترول من عواصم أخرى.

فرحتنا اليوم ليست شماتة في أحد ، بل انتصار لإرادة شعب ، هي دموع امتزجت فيها الذكريات بالأمل ، والألم بالرجاء، قد يكون الطريق ما زال طويلًا ، وقد تكون الجراح عميقة ، لكن عجلة الحياة دارت من جديد ، وصوت محركات الطائرة العائدة قال ما عجز عنه الكلام السودان يعود.
سيعود كل شيء كما كان وأجمل، ستعود المطارات ممتلئة ، والبيوت عامرة ، والحقائب محمّلة بالعودة لا بالغربة، ومهما حاول الكارهون إطفاء هذا الضوء ، فإن فجر الخرطوم قد أشرق ، ولن ينطفئ بإذن الله… لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات