نايلة علي محمد الخليفة
أكاد أجزم أن كل من شاهد طائرة “سودانير” وهي تعود للتحليق في فضاء الوطن بعد غيبة طويلة ، لم يتمالك نفسه من البكاء فرحًا ، تلك اللحظة لم تكن مجرد هبوط طائرة على مدرج ، بل كانت هبوط أملٍ على قلب شعبٍ أرهقته الحرب والشات ، اختيار أن تكون أولى الرحلات الداخلية لسودانير وجهتها مطار الخرطوم، هذا الإختيار حمل رسالة رمزية بليغة المعاني ، العاصمة التي أرادوها مدينة مهجورة تعود اليوم لتتنفس من جديد.
من خلف الشاشة تابعت المشهد وسودانير تهبط رويدًا رويدًا ، ندبت حظي وتمنيت لو كنت شاهدة عيان ، أو واحدة من ركاب تلك الرحلة، تخيلت وجوه المسافرين المستقبلين ، دهشتهم دموعهم ، إحساسهم بأن شيئًا من السودان الذي نعرفه قد عاد ، لم تكن طائرة عادية ، كانت جناحين يحملان ذاكرة وطن ، وتاريخ ناقل قومي ظل لسنوات رمزًا للسيادة والانتماء.
نعم عاد مطار الخرطوم للعمل ، وعادت سودانير لتحلق بأجنحتها في السماء ، وقبل ذلك عادت الخرطوم نفسها بشحمها ولحمها من قيد الجنجويد ، عادت المدينةً وروحًا وناسًا، عادت الشوارع التي حاولوا طمسها ، والبيوت التي ظنوا أن أبوابها أُغلقت إلى الأبد ، والأحلام التي أرادوا لها أن تُدفن تحت الركام ، اليوم يثبت السودان مرة أخرى ، أنه أكبر من كل مؤامرة ، وأقوى من كل خراب.
هذه العودة ليست حدثًا لوجستيًا فحسب ، بل إعلان تعافٍ وطني ، رسالة واضحة بأن الدولة التي راهنوا على سقوطها ما زالت واقفة ، وأن المؤسسات التي سعوا لتفكيكها تعود أقوى، سودانير ليست مجرد شركة طيران ، إنها جزء من هوية هذا البلد وعندما تعود ، فإن جزءًا من كرامتنا الوطنية يعود معها.
لن يتألم اليوم إلا الذين اعتادوا على الخراب ، أولئك الذين ولغوا في العمالة حتى صار كل نجاح للسودان يزعجهم ويقض مضاجعهم ، لن يتألم إلا الأوباش من مليشيا الجنجويد وأذرعهم السياسية بشقيها صمود وتأسيس ، وكل من ارتبط مشروعه ببقاء الخرطوم محطمة والسودان ممزقًا، هؤلاء يرون في كل خطوة تعافٍ هزيمة شخصية لهم ، سيتألم كذلك الكفيل الخارجي الذي كان يريد للسودان أن يكون الابن المطيع ، التابع الخاضع ، تُنهب ثرواته بلا مقاومة، عودة مطار الخرطوم تعني أن القرار الوطني يسترد عافيته ، وأن هذا البلد يرفض أن يُدار بالريموت كنترول من عواصم أخرى.
فرحتنا اليوم ليست شماتة في أحد ، بل انتصار لإرادة شعب ، هي دموع امتزجت فيها الذكريات بالأمل ، والألم بالرجاء، قد يكون الطريق ما زال طويلًا ، وقد تكون الجراح عميقة ، لكن عجلة الحياة دارت من جديد ، وصوت محركات الطائرة العائدة قال ما عجز عنه الكلام السودان يعود.
سيعود كل شيء كما كان وأجمل، ستعود المطارات ممتلئة ، والبيوت عامرة ، والحقائب محمّلة بالعودة لا بالغربة، ومهما حاول الكارهون إطفاء هذا الضوء ، فإن فجر الخرطوم قد أشرق ، ولن ينطفئ بإذن الله… لنا عودة.
