في لحظات الأزمات الوجودية تعاد صياغة المفاهيم الكبرى وعلى رأسها مفهوم الشرعية فحين تصبح الدولة نفسها مهددة بالزوال لا تعود الشرعية مسألة إجرائية تقاس بالنصوص وحدها بل تتحول إلى مسؤولية تقاس بالقدرة على الصمود وحماية الكيان ومنع الانهيار، من هذا المدخل يمكن فهم تصريحات زعيم شرق السودان الناظر محمد الأمين ترك الداعية إلى تفويض الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيسا للجمهورية باعتبارها قراءة سياسية فرضتها وقائع الحرب لا مجرد موقف عاطفي أو جهوي.
فمنذ اندلاع الحرب التي شنتها مليشيا أبوظبي على السودان وشعبه كان الخطر الأكبر لا يكمن في المواجهات العسكرية وحدها بل في احتمال تفكك الدولة من الداخل وانقسام أجهزتها النظامية وتحولها إلى جزر متصارعة غير أن هذا السيناريو لم يتحقق ويحسب لقيادة الجيش وعلى رأسها القائد البرهان أنها نجحت في الحفاظ على تماسك الدولة ووحدة القرار العسكري ومنعت انهيار المؤسسات السيادية في وقت كانت فيه الدولة على شفا الفراغ الكامل.
التقدم الكبير الذي حققته القوات المسلحة في مسار العمليات العسكرية مثل نقطة تحول مفصلية في المشهد فهذا التقدم لم يعزز فقط السيطرة الميدانية بل أعاد ترتيب موازين المبادرة السياسية ورسخ واقعا جديدا مفاده أن الجهة التي تحمي الأرض وتدافع عن السيادة هي الأقدر على إدارة الانتقال وضبط إيقاع المرحلة المقبلة، وفي ظل عجز القوى السياسية المدنية عن إنتاج مشروع وطني جامع تصدر الجيش المشهد بوصفه المؤسسة الوحيدة القادرة على الإمساك بالدولة.
في هذا السياق تأتي دعوة الناظر ترك كتعبير عن وعي متزايد لدى قطاعات مجتمعية واسعة بأن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن بناؤها بمنطق الإقصاء أو التجاهل لدور القوات المسلحة فالجيش هو العمود الفقري للدولة وضامن لوحدتها واستمراريتها ومن ثم فإن تفويض البرهان يقرأ كمسعى لإضفاء شرعية سياسية ومجتمعية على واقع فرضته مسؤوليات الحرب لا كمحاولة لتكريس حكم فردي،
غير أن الإقرار بدور الجيش وقيادته لا يعني تعطيل السياسة أو مصادرة المستقبل المدني بل يعني أن الانتقال المنشود يجب أن ينطلق من واقع القوة والاستقرار لا من فراغ أو شعارات، انتقال يدار بعقلانية تقوده قيادة قادرة على تأمين الدولة أولا ثم تهيئة المناخ لتسوية وطنية شاملة تشارك فيها القوى السياسية والمجتمعية على أسس جديدة تتجاوز إخفاقات ما قبل الحرب.
في المحصلة فإن شرعية القيادة في زمن الحرب تصنع في ميادين الصمود وحماية الدولة لا في المنصات وحدها وما حققه الفريق أول عبد الفتاح البرهان من تماسك مؤسسي ووحدة للأجهزة النظامية وتقدم ميداني ملحوظ يجعله في نظر قطاع واسع من السودانيين مؤهل لقيادة مرحلة ما بعد الحرب إلى أن تستعيد الدولة عافيتها ويفتح الطريق أمام شرعية دستورية مكتملة تنهي دوامة الأزمات المتلاحقة.
ولنا عودة
1 فبراير2026م
