بقلم: حمد يوسف حمد
في حادثة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجيوسياسة، استيقظت الحكومة صباح اليوم لتجد الكراسي وفيرة، والمكاتب واسعة، والرواتب مرصودة، لكنها اصطدمت بظاهرة غريبة ومقلقة: اختفاء الشعب تماماً. بدأت القصة حين توجه معالي وزير “الجبايات والمكوس” إلى مكتبه، ليجد أن الشوارع خالية من المارة الذين اعتاد على توبيخهم لعدم دفع فواتير الهواء والضوء، وعندما حاول استدعاء “المواطن النموذجي” ليحمله مسؤولية فشل الميزانية، لم يجد سوى صدى صوته يتردد في الردهات المهجورة.
عقد مجلس الوزراء اجتماعاً طارئاً لمناقشة هذه الكارثة الوطنية، وصرح المتحدث الرسمي بنبرة يملؤها العتب بأن هذا تصرف غير مسؤول من المواطنين، متسائلاً كيف يرحلون هكذا دون تقديم طلب استقالة رسمي، ومن سيستمع لخطاباتهم الطويلة عن الإنجازات الوهمية، ومن سيتحمل ذنب ارتفاع أسعار الخضروات. وتضمنت ورقة العمل الحكومية حلاً “خارج الصندوق”، فإذا استمر الشعب الأصلي في دلاله واختفائه، فإن الحكومة تدرس بجدية خيار استيراد “شعب بديل من الصين”؛ حيث أكد الخبراء أن المواطن الصيني المستورد سيكون أقل تكلفة، فهو يعمل عشرين ساعة يومياً، لا يطلب عيشاً بلدياً، ولا يفهم معنى كلمة ديمقراطية بالأساس، والأهم من ذلك أنه يأتي بضمان لمدة عام ضد المعارضة السياسية.
ولأن الحكومة تعلم أن المعدة هي أقصر طريق لقلب المواطن، أوعزت لوزارة المالية بإعداد حزمة إغراءات لاستدراج الهاربين من جحيم الواقع، فأعلنت عن هدنة في أسعار المحروقات في رسالة طمأنة مفادها “ارجعوا لقد توقفنا عن تحريك الأسعار مؤقتاً”، فمن العار أن تضيعوا فرصة الوقوف في طابور مستقر. كما طرحت وزارة المالية ميزانية طارئة لتوفير حصص إضافية من الزيت والسكر، وعلقت لافتة ضخمة على مداخل المدن المهجورة تنادي بأن الدعم بانتظاركم فأين أنتم. وفي لفتة حانية، قررت مصلحة الجمارك التابعة للمالية تشديد الخناق على ممتلكات العائدين من السفر، وكأنها تقول للمواطن المهاجر إن حصتنا في حقيبتك ستصل إلينا حتى لو طرت في السماء، فعد بكرامتك أفضل.
أما في المشهد السوداني، فقد تجاوزت السخرية حدود المنطق؛ حيث أصدرت الحكومة المرابطة في مقراتها البديلة قراراً بـ “العودة الإجبارية” لكل مواطن شرّدته الحرب وبحث عن “حياة كريمة” خلف الحدود. لقد قررت الحكومة بصرامة أن غياب المواطن عن موقعه كـ “دافع للرسوم” هو جريمة وطنية، فكيف يجرؤ هذا النازح على البحث عن الأمان والخبز بعيداً عن سيادتها؟ وبينما يعاني الشعب من تشريد مليوني، رفعت الحكومة تكاليف الاستيراد والجبايات الحدودية، ووقفت تطالب الهاربين من الموت بالعودة الفورية للمثول أمام “متحصلي الرسوم”، متناسية أنها لم تترك لهم بيتاً يسترهم ولا أماناً يحرسهم، بل تطلب منهم العودة “إجبارياً” ليتذوقوا طعم التحرير الاقتصادي في غياب الحياة نفسها.
وبينما لا تزال الحكومات تبحث تحت السجاد وفي المنافي عن رعاياها، يبقى السؤال الأهم: هل ستستقيل الحكومة لأنها لم تجد من تحكمه؟ بالطبع لا، فالحُكم في قاموسنا تكليف لا تشريف. تقف الحكومات اليوم على أطلال الميادين، تنادي في مكبرات الصوت أن ارجعوا قبل أن نبرم صفقة الشعب الصيني ونبدأ بتغيير ملامح المنطقة، نحن بدونكم مجرد أشخاص ببدلات أنيقة يكلمون أنفسهم في المرايا، ارجعوا وسنعدكم بأننا لن نرفع تكاليف المعيشة إلا للضرورة القصوى ولأجل مصلحتكم طبعاً.
