ما قاله الفريق أول عبد الفتاح البرهان من داخل مجمع شيخ الهدية بالكلاكلة لم يكن خطاب حشد تعبوي وهوشة سودانين ، بل رسالة سياسية وأخلاقية في آنٍ واحد ، تُخاطب الداخل السوداني كما تُخاطب الخارج الذي بات يرى بوضوح ما حاول البعض طمسه ، حديثه عن الكلاكلة كنموذج للعودة الطوعية ، وعن مقاومة المليشيا وطردها ، يضع الإصبع على جرحٍ مفتوح ، هذه الحرب لم تكن بين جيش ومليشيا ، بل بين شعبٍ يسعى للبقاء ومليشيا لا تعرف معنى الوطن.
اللافت في المشهد أن جرائم المليشيا بحق السودانيين لم تعد رواية محلية فقط ، صارت مادة تقارير دولية وشهادات أجانب تحدثوا بقلوب تنفطر ، عن القتل على أساس الهوية ، والاغتصاب والنهب المنظم ، وتدمير القرى وتشريد الملايين ، مشاهد وثقتها منظمات حقوقية ، وصحفيون وعمال إغاثة ، لم يكن لهم مصلحة في الانحياز إلا للإنسان ، هؤلاء قالوا ما رأوه ، بينما اختار آخرون من أبناء السودان اختاروا التواري خلف الصمت ، او تجريم جهات لا صلة لها بالجرائم.
في الجهة المقابلة يطل حمدوك ومجموعته في كل منبر خارجي ، لا للحديث عن هذه الجرائم ، ولا لمساءلة المليشيا ومحاسبتها ، بل لإعادة تدوير خطابٍ واحد ، تجريم القوات المسلحة زورًا ، واتهامها باستخدام أسلحة كيميائية والمطالبة بلجنة تحقيق دولية ، أو تحميل الجيش مسؤولية حرب لم يشعلها ، اتهامات لم تجد صدى داخل الشارع السوداني ، لأن الشعب كما قال البرهان هو القوات المسلحة ، يعرف من حماه ، ومن انتهك حرماته وأعراضه ونهب ممتلكاته.
هذا الصمت المريب عن جرائم المليشيا ، يقابله نشاط محموم في شيطنة الجيش ، يطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيا ، كيف يتحدث من يدّعون تمثيل الثورة عن “مدنية” وهم يتجاهلون أكبر كارثة إنسانية في تاريخ السودان الحديث؟ ، وكيف يُطالَب المواطن بالتصديق ، وهو يرى بيته يُنهب ، وأهله يُقتلون وفتياته يغتصبن ، واخريات مختطفات لا يُعلم مكانهن ، بينما خطابات حمدوك وشلته للخارج لا تجد فيها كلمة عزاء أو إدانة صريحة للجناة الحقيقيين؟ ،
حديث البرهان عن العودة الطوعية وإعمار الديار ، وعن رمضان الذي سيجمع العائدين ، ليس إنكارًا لصعوبة الواقع ، بل تأكيد على أن المعركة ليست فقط عسكرية ، وإنما معركة إرادة وهوية ، الدعوة للعودة اختيارية ، لكنها في جوهرها فعل مقاومة ، مقاومة الفراغ ومقاومة مشروع اقتلاع الناس من أرضهم ، أما رسالته للدول التي لا تزال “تستمع إلى حمدوك ومجموعته” ، فهي تذكير بأن الرهان على نخب معزولة عن وجع شعبها رهان خاسر ، فالتاريخ لا يرحم من يتسول بقضايا الشعوب ، ولا من يختزل مأساة وطن في بيانات مُعلّبة تُرضي الخارج وتُهين الداخل.
قد يختلف السودانيون سياسيا ، لكن الحقيقة أوضح من أن تُشوَّه ، المليشيا ارتكبت جرائم شهد بها العالم ، والجيش رغم كل ما يقال ، ظلّ هو السند الأول والأخير لدولة تتعرض للتفكيك ، وبين انكسار قلب الأجنبي وصمت بعض أبناء البلد ، يبقى صوت الضحايا أعلى من كل البيانات ، ويظل الرهان الحقيقي على وعي شعبٍ بدأ بالفعل في قطف ثمار تضحياته ، كما قال البرهان ، ولو كان الطريق لا يزال طويلًا… لنا عودة.
