الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتمسارب الضي ...

مسارب الضي عقوبات على المصباح أبو زيد طلحة… حين تُعاقَب المواقف لا الأفعال د. محمد تبيدي يكتب…

وعلى حد قولي:
إذا ضاقَ صدرُ العالمينَ بموقفٍ
تكسّرتِ المرايا حولَ من ثبتوا
فليس كلُّ عقابٍ عدلاً منزهاً
ولا كلُّ صمودٍ يُقاسُ بما كتبوا

لم تكن العقوبات الأوروبية التي أُعلنت بحق قائد فيلق البراء بن مالك المصباح أبو زيد طلحة حدثاً معزولاً عن سياق الحرب السودانية، ولا قراراً فنياً محضاً كما حاولت بعض الدوائر تصويره، بل جاءت في قلب معركة سياسية وإعلامية موازية لمعركة الميدان، حيث تختلط الحسابات، وتتبدل المعايير، ويُعاد تعريف المفاهيم وفق ميزان المصالح لا الوقائع.
المصباح أبو زيد طلحة ليس اسماً عابراً في مشهد الحرب، بل واحد من الوجوه التي ارتبطت عضوياً بما عُرف في الوعي الجمعي السوداني بمعركة الكرامة، تلك المعركة التي لم تُخض دفاعاً عن سلطة أو موقع، وإنما دفاعاً عن فكرة الدولة ذاتها في مواجهة مشروع الفوضى والانهيار. ومن هنا تحديداً، يصبح استهدافه بالعقوبات سؤالاً مفتوحاً حول من يُكافأ ومن يُدان، ومن يملك حق تعريف الشرعية والتمرد.
فيلق البراء بن مالك لم يولد من فراغ، ولم يخرج من رحم مغامرة عسكرية، بل تشكّل في لحظة انسداد وطني حاد، حين بدا أن مؤسسات الدولة وحدها لا تكفي لصد التهديد الوجودي الذي واجه البلاد. في تلك اللحظة، تقدّم الفيلق كقوة مساندة، مستنداً إلى خطاب تعبوي يرى أن المعركة معركة بقاء، لا مجال فيها للحياد الرمادي أو الترف الأخلاقي المستورد.
قاد المصباح أبو زيد طلحة هذا الفيلق بعقلية تنظيمية صارمة، وضبط ميداني واضح، بعيداً عن الفوضى التي لازمت كثيراً من التشكيلات المسلحة في تجارب سابقة. لم يكن الرجل مجرد قائد ميداني، بل لعب دور المنسق بين الجبهات، والحارس على وحدة القرار داخل الفيلق، وهو ما أسهم في تقليل الاحتكاكات، ومنع الانزلاق إلى صراعات جانبية أضرت بغيرهم.
في معركة الكرامة، برز دور فيلق البراء بن مالك في خطوط التماس الصعبة، وفي مناطق لم تكن قابلة للاختراق بسهولة. قدّم الفيلق شهداء وجرحى، وتحمل خسائر بشرية ومادية، دون أن يحوّل ذلك إلى مادة للمزايدة الإعلامية. كان حضوره في الميدان أكثر وضوحاً من حضوره في المنصات، وهو ما أكسبه احترام قطاعات واسعة من الشارع السوداني، حتى من أولئك الذين يختلفون معه فكرياً.
العقوبات، في هذا السياق، بدت لكثيرين وكأنها عقوبة على الاصطفاف لا على الانتهاك، وعلى الموقف لا على الفعل الموثق. فلم تُقدَّم للرأي العام أدلة شفافة، ولا مسارات تحقيق واضحة، بل اكتُفي ببيانات عامة فضفاضة، تُلقي بالتهم دون تفكيك، وتُصدر الأحكام دون محاكمة عادلة. وهذا النمط من القرارات لا يخلو من ازدواجية فاضحة حين يُقارن بالصمت الأوروبي تجاه انتهاكات موثقة ارتكبتها أطراف أخرى.
المصباح أبو زيد طلحة، بالنسبة لأنصاره، ليس قائداً معصوماً من الخطأ، لكنه يمثل نموذجاً للقيادة الميدانية التي لم تساوم على خيار الدولة. لم يطرح نفسه بديلاً للمؤسسة العسكرية، ولم يسعَ إلى سلطة سياسية، بل ظل يكرر أن دوره تكميلي ومؤقت، ينتهي بانتهاء أسباب حمل السلاح. هذه النقطة تحديداً هي ما يتجاهله الخطاب الخارجي الذي يفضّل اختزال المشهد في ثنائية مسلحة مبسطة.
أما مأثر الرجل، فهي لا تُقاس فقط بعدد العمليات أو المواقع، بل بقدرته على الحفاظ على تماسك قواته في ظروف استثنائية، ومنعها من التحول إلى عبء أمني على المواطنين. لم تُسجَّل ضد الفيلق حالات انفلات ممنهج في مناطق سيطرته، ولم يُعرف عنه الدخول في صراعات مع المكونات الاجتماعية، وهي معايير ميدانية يعرف أهل الحرب قيمتها، حتى إن تجاهلها صانع القرار في العواصم البعيدة.
الدور الذي لعبه فيلق البراء بن مالك في معركة الكرامة لا يمكن فصله عن الروح المعنوية التي بثها في قطاعات من الشباب، الذين وجدوا في الفيلق تعبيراً عن الدفاع المباشر عن الأرض والعِرض، بعيداً عن الحسابات السياسية المعقدة. هذه الروح، وإن اختلف حولها الناس، كانت عاملاً حاسماً في منع الانهيار السريع الذي راهن عليه كثيرون.
العقوبات، في نهاية الأمر، لا تُغيّر حقائق الميدان، لكنها تكشف عن حجم التباعد بين رؤية الداخل وقراءة الخارج. وهي تضع سؤال السيادة مجدداً على الطاولة: من يملك حق تصنيف الفاعلين في نزاعات الدول، وبأي معايير، ولمصلحة من. كما تطرح تساؤلاً أخلاقياً عميقاً حول معنى العدالة الدولية حين تُطبّق بانتقائية، وتُستخدم أداة ضغط سياسي أكثر من كونها وسيلة إنصاف.
سيبقى المصباح أبو زيد طلحة شخصية وطنية، ولن يبقى فيلق البراء بن مالك موضوع نقاش حاد، والثابت أن معركة الكرامة أعادت تشكيل الوعي السوداني حول معنى الدفاع عن الدولة. وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة، لا يُقاس الرجال برضا الخارج، بل بمدى صمودهم حين اختُبر الوطن.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرةThemastertabedy@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات