الأحد, فبراير 1, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يكون الوجدان سابقًا على الجغرافي: ...

حين يكون الوجدان سابقًا على الجغرافي: صحفيون وصحفيات مصريون أحبّوا السودان مهدي داود الخليفة يكتب…

في زمنٍ تتراجع فيه العلاقات بين الشعوب إلى حدود المصالح الضيقة، وتضيق فيه مساحات الصدق وسط ضجيج السياسة، تظل بعض العلاقات الإنسانية شاهدًا حيًّا على أن الوجدان، حين يكون صادقًا، يسبق الجغرافيا ويتجاوز الحسابات. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة حدودٍ وجوار فحسب، بل علاقة تاريخٍ متداخل ومصيرٍ مشترك، كثيرًا ما أُسيء تدبيره سياسيًا، لكنه ظل حيًّا، نابضًا، على مستوى الوجدان الشعبي والثقافي.

وفي هذا السياق، لعبت الصحافة المصرية – في لحظات فارقة – دورًا تجاوز الوظيفة الإخبارية إلى وظيفة الوسيط الأخلاقي بين الشعبين، لا سيما حين عجزت السياسة الرسمية، أو ارتبكت، أو قدّمت المصالح الآنية على حقائق التاريخ والجغرافيا.

يوم الأحد الماضي، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الأستاذة أسماء الحسيني وزوجها الدكتور نبيل نجم. وأسماء، حين تتصل، لا تفعل ذلك عابرًا؛ فإما أن تكون بصدد فكرة، أو دعم عمل، أو بدافع انشغالٍ حقيقي بالشأن السوداني. وهو انشغال لا يقتصر على البعد المهني، بل يتجاوزه إلى وجدانٍ إنساني صادق.

للأستاذة أسماء الحسيني علاقة خاصة بالسودان، علاقة محبة خالصة للشعب السوداني، وارتباط عميق بقضاياه. وهي، بحق، من أكثر الصحفيين المصريين انغماسًا في الشأن السوداني، وربما أكثر متابعة وحرصًا من كثير من أبنائه. لا تكاد تُقام فعالية ثقافية أو اجتماعية أو سياسية سودانية في القاهرة أو خارجها، إلا وكانت أسماء في قلبها: مشاركة، حاضرة، داعمة، بلا ضجيج أو ادعاء.

وكثيرًا ما كنت أتساءل: كيف تجد الأستاذة أسماء الوقت، بجانب مسؤولياتها المهنية الجسيمة، لتشارك في كل هذه الفعاليات؟ تشارك على حساب صحتها، وأسرتها، وراحتها، ولكن بأريحية ومحبة صادقة، وكأن الشأن السوداني جزء من ضميرها اليومي، لا ملفًا عابرًا في أجندة العمل. ويشاركها هذا الوجدان زوجها الدكتور نبيل نجم، الذي لم يكن يومًا بعيدًا عن هذا الاهتمام، بل شريكًا فيه فهمًا وتقديرًا.

أما الدكتورة أماني الطويل، التي عرفتها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، فإن علاقتها بالسودان ليست طارئة ولا موسمية. و شهادتي فيها و ان كانت مجروحة بحكم المعرفة الطويلة ، إلا انها شهادة حق. فحبها للسودان متجذر، بدأ مبكرًا حين كانت مسؤولة عن ملف السودان بصحيفة الأهرام. هناك، لم تكتفِ بالمتابعة من خلف المكاتب، بل تعرّفت على القيادات السياسية السودانية، وسافرت إلى السودان مرارًا، ودفعت ثمن جرأتها المهنية والإنسانية.

لقد تعرّضت الدكتورة أماني للاعتقال والضرب على يد أجهزة الأمن السودانية، وأُبعدت من البلاد، لا لشيء سوى لأنها كتبت بضمير حيّ عن معاناة شعبٍ لم يكن شعبها بالميلاد، لكنه كان شعبها بالاختيار الأخلاقي. الدكتورة أماني، متى ما أُتيحت لها فرصة سفر خارج مصر في مهمة رسمية، تحرص – إلى جانب عملها – على لقاء السودانيين في تلك البلاد. تفعل ذلك بدافع إنساني يرى في التواصل مع السودانيين واجبًا وجدانيًا، لا مجاملة دبلوماسية. وفي آخر زيارة لها إلى الولايات المتحدة، التقت بالسودانيين في دار الجالية السودانية بفرجينيا، استمعت إليهم، وسألت، وتبادلت القلق والهمّ، كما لو كانت واحدة منهم.

لقد فهمت أماني الطويل، كما فهمت أسماء الحسيني، أن استقرار السودان ليس شأنًا سودانيًا داخليًا فحسب، بل ركيزة أساسية لأمن مصر الإقليمي، ولتوازن وادي النيل سياسيًا واجتماعيًا. ومن هذا الفهم جاءت كتاباتهما ومواقفهما، التي لم تخضع لتقلّبات المزاج السياسي، ولا لتغيّر اتجاه الرياح الإقليمية. وهو ما يمنح هذا النوع من الصحافة وزنًا خاصًا، لأنها تصدر عن قناعة، لا عن تكليف.

هذا النمط من الصحافة، في تقديري، يمثّل إحدى أهم روافع العلاقات المصرية–السودانية: صحافة لا تتماهى بالكامل مع الخطاب الرسمي، بل تسعى إلى تصويب الرؤية، وتوسيع أفق الفهم المتبادل، وحماية العلاقة من التبسيط والشيطنة. و من هنا تأتي اهمية الدور الذي يلعبوه..

وإذ أستحضر هذه الأسماء، لا يفوتني أن أذكر صديقي وأخي الراحل طارق حسن، الصحفي النبيل الذي كان له قصب السبق في كشف انقلاب السودان، والمساهمة في تأسيس صفحة السودان بصحيفة الوفد، صفحة خُصص لها يومٌ أسبوعي- الاحد- للشأن السوداني المعارض.

وأذكر أن الإمام الصادق المهدي، في أول لقاء جمعه بالراحل طارق حسن، قال له: كنا حين نقرأ اسمك وأنت تكتب عن السودان، نظن أنك سوداني. لم يكن ذلك مجازًا، بل حقيقة وجدانية. فطارق، كما أسماء وأماني وغيرهم، أحب السودان وأحب السودانيين، وكتب عنهم بصدق، ودافع عن قضاياهم كأنها قضاياه.

ولا يمكن الحديث عن الصحافة المصرية وموقفها من السودان دون الإشادة بالدور التاريخي لصحيفة الأهرام، التي أولت السودان اهتمامًا مهنيًا ومسؤولًا، وكذلك صحيفة الوفد، خاصة في عهد الباشا فؤاد سراج الدين، حين فُتحت صفحاتها لقضية السودان بلا وصاية ولا استعلاء.

وإذا عدنا إلى خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، نجد أن هذا النهج لم يكن استثناءً، بل امتدادًا لمدرسة صحفية مصرية عريقة في فهم السودان، جسدها صحفيون كبار مثل أحمد حمروش ويوسف الشريف، ثم من بعدهم النائب البرلماني و الصحفي مصطفى بكري وأخوه الراحل محمود بكري، الذين نظروا إلى السودان بوصفه شريكًا في معركة التحرر الوطني، لا تابعًا ولا عبئًا.

إن أخطر ما يهدد العلاقات المصرية–السودانية اليوم ليس الخلافات السياسية العابرة، بل سوء الفهم المتبادل، ومحاولات شيطنة الآخر. وهنا، تصبح الصحافة المسؤولة خط الدفاع الأول عن هذه العلاقة، لا بوصفها بوقًا للسلطة، بل ضميرًا نقديًا يوازن بين المصالح والعدالة.

هذه الشهادة ليست مجاملة عابرة، ولا ردًّا على إساءة، بل واجبٌ أخلاقي وسياسي. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالجحود أو التعميم، وإنما بالعدل والاعتراف والإنصاف. وإن إنصاف الصحفيين والصحفيات المصريين الذين انحازوا للسودان بصدق، وكتبوا عنه بضمير حيّ، ليس فعل امتنان شخصي، بل موقف سياسي يصب في مصلحة السودان قبل أي شيء آخر؛ لأن القضايا العادلة لا تنتصر بخسارة أصدقائها، ولا تحافظ على قوتها المعنوية حين تُفرّط في من وقفوا معها في زمنٍ قلّ فيه الإنصاف وكثر فيه الضجيج.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات