في زمنٍ تتكئ فيه الأوطان على الصمود أكثر مما تتكئ على الموارد، اختارت ولاية نهر النيل أن تخوض معركة مختلفة…
معركة الإنتاج لا الضجيج،
والصناعة لا الشعارات،
والعمل لا الانتظار.
لم يكن ملتقى «صُنع في نهر النيل» مجرد فعالية افتتاح وختام، بل كان مسارًا متكاملًا يبدأ بالفخر المشروع، وينتهي بالمسؤولية الواجبة. بين افتتاحٍ يفاخر بالإنجاز، وختامٍ يُحمِّل الجميع عبء التنفيذ، تشكّل مشهد ناضج لولايةٍ تحاول أن تقول للسودان كله: النهضة لا تُورث… بل تُصنَع.
في كلمته خلال افتتاح الملتقى، لم يخفِ والي نهر النيل، الدكتور محمد البدوي عبدالماجد أبوقرون، اعتزازه بالحراك الصناعي غير المسبوق، وهو يتحدث عن أكثر من 300 مصنع تعمل في أصعب مراحل البلاد، في زمن الحرب ومعركة الكرامة، موزعة على محليات الولاية ضمن رؤية للتوازن التنموي. لم يكن الحديث عن أرقامٍ باردة، بل عن إرادة ولاية اختارت أن تُبقي المصانع مفتوحة حين أُغلقت نوافذ كثيرة في الوطن.
«الصناعة هي القاطرة والمدخل للنهضة الاقتصادية الشاملة»
— مقولة ليست للتزيين، بل تعهدًا مفتوحًا على اختبار الزمن.
غير أن الذكاء الحقيقي في تجربة نهر النيل لم يقف عند لحظة الافتتاح، بل تجلّى بوضوح في خطاب الختام؛ حيث انتقلت اللغة من الاحتفاء إلى المحاسبة، ومن الإنجاز إلى السؤال الكبير: وماذا بعد؟
في ختام الملتقى، جاءت التوصيات كأنها عقد أخلاقي جديد بين الدولة والمستثمر والمجتمع. توصيات لا تتحدث فقط عن توسيع المصانع، بل عن الصناعة النظيفة، وحماية البيئة، والتعليم المهني، وربط الزراعة بالصناعة، وتعزيز القيمة المضافة، والاهتمام بالجودة والمواصفات، والبحث العلمي، والمدن الصناعية، والصناعات التحويلية.
وهنا يصبح النجاح الحقيقي ليس في عدد المصانع، بل في استدامتها وعدالتها وأثرها الإنساني.
ما بين الافتتاح والختام، برزت رسالة واضحة:
نهر النيل لا تريد صناعة تستهلك الأرض والإنسان، بل صناعة تُنقذ الاقتصاد وتُحسِّن المعيشة وتفتح أبواب الأمل لشباب يبحث عن عمل كريم لا إعانة مؤقتة.
ولعل أهم ما يُحسب لهذه التجربة، أنها لم تعزل نفسها داخل حدود الولاية. فحين تتحدث الأمين العام للجهاز القومي للاستثمار عن نهر النيل كنموذج قومي، وحين يربط مسؤولو الصناعة الاتحادية هذه التجربة بخطة التوازن الصناعي لكل الولايات، فإن الرسالة تتجاوز الجغرافيا:
ما يحدث هنا ليس شأنًا محليًا… بل درسًا وطنيًا.
التعليق الأهم:
إن أخطر ما قد يواجه أي نجاح، هو الاكتفاء بالاحتفال به.
فالملتقيات لا تُقاس بالتصفيق، بل بما يبقى بعدها.
والتوصيات لا تُخلَّد في الختام، بل تُختبر في التنفيذ.
والصناعة، إن لم تُدار بوعي وعدالة، قد تتحول من مدخل للنهضة إلى عبء جديد.
اليوم، تقف نهر النيل على عتبة مهمة. لقد أعلنت قدرتها على الإنتاج، وآن لها أن تثبت قدرتها على الاستمرار، والتطوير، والرقابة، والالتزام. فالصناعة ليست مجرد مصانع تعمل، بل منظومة حياة متكاملة تحفظ للإنسان كرامته، وللوطن اقتصاده، وللمستقبل حقه.
إذا كانت الصناعة هي مدخل النهضة، فإن نهر النيل اليوم تمسك بالمفتاح… والمسؤولية أن تفتح به أبواب الوطن كله، لا أن تكتفي بعرضه.
✒️ توقيع لا يُنسى
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
وأنا الصمود حين تنهار الآمال…
أنا امرأة من حبر النار
سلام وأمان، فالعدل ميزان
عبير نبيل محمد
ولاية نهر النيل
