في العامية السودانية ، لا تُقال الكلمات اعتباطًا ، ولا تُستهلك خارج سياقها الاجتماعي والتاريخ ، كلمة الساجور وحدها تحمل أكثر من معنى ودلالة ، فهي القيد الذي يُكبل ، والعقبة التي تعترض ، والعمل الذي يُمسك بالحركة ويمنع الانفكاك، وفي الفصحى لا تبتعد الدلالة كثيرا ، إذ تعني القلادة ، والقيد ، وما يُعلَّق في الأعناق ليحدد المصير ، ومن هذا المعنى الشعبي العميق ، يُحكى في الأثر السوداني القديم ، عن فتاتين على قدرٍ من الجمال ، أمونة وكمونة ، كان أبوهما يرفض الخطّاب بلا سبب ، وذات مرة جاء صديق والدهما ضيفًا إلى البيت ومعه ابنه ، ولم يجد الأب ، فاستقبلته أمونة وأكرمته في الديوان ، وعندما عاد الأب نحر شاة إكرامًا لضيفه وصديقه ، ونادى على ابنته،
يا بت جيبي الساطور.
لكن الجدة فهمت العبارة على غير ظاهرها ، واعتقدت أن ابنها قال لابنته انفك الساجور ، أي أن الضيف قد خطب أمونة لابنه ، فزغردت وتعالت أصوات النسوة بالفرح ، وحين علم الضيف بما جرى ، حلف بالطلاق أن يزوّج ابنيه لبنتي صديقه ، أمونة وكمونة ، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الجدة كلما سُئلت عن قصة زواج بنتي ابنها ، تقول بعبارتها الشهيرة ، الفك ساجور أمونة بالغلط ، فك ساجور كمونة بالظلط.
هذه الحكاية ببساطتها ، ليست مجرد طرفة اجتماعية ، بل تلخيص مكثف لكيف يمكن لسوء التقدير أن يفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان ، وكيف ينفك القيد أحيانًا من حيث لا يُراد له أن ينفك ،
واليوم يصبح الساجور استعارةً كاشفة لواقعٍ نعيشه ، فالقول موجّه للمليشيا ، إن كان ما حدث سابقًا في الجزيرة والخرطوم قد تمّ بالغلط ، وبسوء التقدير، وبغياب الجاهزية ، فإن الوقائع التالية لم تعد كذلك ، أخبروا أسيادكم وأحلافكم ، من صمود وثمود وعاد وتأسيس ، أن ما ظننتموه قيدًا محكمًا بدأ يتفكك ،
فُكّ حصار الأبيض ، وعادت مدن وبلدات شمال كردفان ، وانفك ساجور الدلنج ، وتنفس أهلها بعد حصارٍ أذلّهم وأطبق عليهم ، واستعادت سنار والجزيرة والخرطوم نبضها ، لا صدفةً هذه المرة ، بل بإرادةٍ تتشكل على الأرض ،
ولا تراهنوا على الغلط مرتين ، فما بعد فك ساجور الدلنج ، ليس إلا إيذانًا بفك ساجور كادوقلي، ستعود بارا، ويدخل الرجال إلى كادوقلي، ويتحرر كل شبر دنسته أقدام العدوان.
هذه المرة لن يكون الانفكاك بالخطأ ، بل بحق الأرض ، وبعزيمةٍ لا تعرف القيد ، في هذا البلد، قد يُفك الساجور مرةً بالغلط، لكن ما يُستعاد بالإرادة ، لا يعود إلى القيد أبدًا….لنا عودة.
