هكذا، بلا حياءٍ لغوي ولا استحياء لفظى ولا مسؤولية أخلاقية، خرجت صاحبة الرأي الأعوج تلوك فريةً ثقيلة المسمع غريبة المرجع والمنبع ،عمياء خاوية فاقدة الدليل، وتظن أن الكلمات تُقال بلا حساب. ولارد ولا عقاب .. قالت (إن الشرطة هربت واختفت في الحرب،) وكأنها تتحدث عن غرباء بلا وطن، لا عن رجالٍ عرفتهم الخنادق والبنادق ، واحتضنتهم ساحات الذخيرة و النار، وشيّعتهم المقابر شهداء.واحتضنتهم التربة بالرحمة والود
وأقول – وأنا من الشاهدين – لا أقول إلا ما يرضي الله، ثم يرضي الضمير:
الشرطة السودانية منذ اندلاع هذه الحرب لم تهرب، ولم تتخاذل، ولم تنكسر. وقفت ثابتة، صلبة، شامخة، وكان لها الصمود الأثقل حيث يُمتحن الرجال، لا حيث تُكتب التغريدات.خلف شاشات الهاتف
في الاحتياطي المركزي، كان المشهد ناصعاً لا يقبل التأويل. هناك، حيث لا عدسات ولا ضجيج إعلامي، وقفوا امام الموت وجها لوجه استشهد خيرة الضباط، وكبار الرتب، والجنود. هناك سُبيت الأجساد، لكن الأرواح بقيت شامخة كالجبال الراسية. شبابٌ صغار، ملازمون وجنود، قدّموا أعمارهم قرابين للوطن. وكهولٌ خبروا الميدان، مساعدين وضباطاً كباراً، ختموا حياتهم بخاتمة الشرف. امتزجت دماؤهم فخطّت ملحمة البطولة والرجولة والشهامة بمدادٍ لا يجف.
وتاريخ شرف لايعرفه إلا من حضر الوقيعة ورأي الوغى بعينه
وبعد الاحتياطي المركزي في الكلاكلة، لم تتوقف مسيرة الشرطة، ولم تتراجع طلبا للحياة ، ولم تقل إن الأمر ليس شأنها. حملوا ارواحهم على اكفهم و دخلت إلى مدرعات الشجرة، مئات من رجال الشرطة، ووقفوا مع القوات المسلحة وقفة رجل واحد. لم يكونوا في الصفوف الخلفية، بل كانوا في كل هجمة، وكل تقدّم، في المقدمة. لأنهم يعرفون الخرطوم شبراً شبراً، ودهليزاً دهليزاً، ويعرفون أن الدفاع عن المدينة دفاع عن العرض والشرف والذاكرة والهوية. إن جهلت فاسالى ابطال المدرعات أسالى الذخيرة فى الشجرة
كانت الشرطة في سلاح الأسلحة، تدافع عن منطقة بحري العسكرية، وتؤمّن المساحة من سلاح الإشارة حتى (نِبَة)وكانت – كما عهدناها – على رأس كل متقدّم، هجوماً ودفاعاً، لا تميّز بين واجب شرطي وواجب عسكري حين يكون الوطن هو الهدف، وحين يكون الخطر واحداً.
رجال الشرطة هم من وقفوا على تروس أمبدة، وعلى تروس غرب سوق ليبيا. رجال الشرطة هم من تتجمعوافى قبة الحاج يوسف حتى المايقوما. رجال الشرطة هم من قاتلوا حتى الرمق الأخير. فلا يغرنك فردٌ أو فردان ضلّوا الطريق،الى التمرد الحقير فهؤلاء قطرة شاذة لا تُدان بها المحيطات، ولا يُمحى بها تاريخ مؤسسة كاملة.هى صانعة الابطال ومهد النضال ومعلم لايحتاج الى سؤال
الشرطة قدّمت مئات الشهداء، وعشرات الجرحى والمصابين، في كل الرتب. لكن، ويا للمفارقة، الشرطة ليست لها نائحة، ولا صائحة.لتشق الجبوب او تلطم الخدود ليست مصنع بالونات تُنفخ لتنفجر في آذان الناس. لا تعرف فن الضجيج، ولا تتقن لغة الادّعاء.
الشرطة هي ديوان الرجال.
هي عرين الأسود.
هي بيت المرفعين الذي لا يخلو من العظام، لأن من يلجه يعرف أن الثمن قد يكون العمر كله.
أما صاحبة الرأي الأعوج، فلتعلم أن القول لايطلق على عواهنه قول ان الشرطة هربت هو طعن في ظهور الشهداء، وخيانة للحقيقة وللجرحى والمفقودين الى الآن ، هو وسقوط أخلاقي قبل أن يكون جهلاً سياسياً. من لم يشهد فليصمت، ومن جهل فليتعلّم، أما الافتراء فلن يغيّر حقيقة راسخة، ولا تاريخاً كُتب بالدم. كل الشرطة كانت فى الدفاع عن الوطن الحبيب
الشرطة لم تهرب…
الشرطة وقفت.
ومن وقف في وجه الموت لا يُرمى بتهمة الهروب، بل يُكتب اسمه في سجل الشرف والخالدين ، شاء من شاء وأبى من أبى..
وعند الله تجتمع الخصوم
وأخيرا
الجهل مصيبة و أظنها لن تفهم مقالى والله يبدل حالا بحال
(اسأل عنى غيرى واحكم فى مصيري)
والله المستعان
