تنبثق مبادرة “شكراً عمر البشير” من قلب الواقع السوداني المثقل بالجراح، لتعبر عن حنين مشروع لزمن كانت فيه الدولة هي المظلة والحصن. إن الشكر على “نعمة الأمن” ليس مجرد عبارة عابرة، بل هو استذكار لحقبة كانت فيها هيبة الدولة هي الضامن الوحيد لاستقرار المواطن في ماله وعرضه، حيث كانت الأجهزة الأمنية والمؤسسات العسكرية تفرض سيادتها وتمنع الفوضى التي تنهش جسد الوطن اليوم. فبينما يعاني الملايين الآن من ويلات النزوح وفقدان الأمان الشخصي، يبرز عهد البشير كنموذج للدولة التي حافظت على تماسكها وصانت حدودها ومنعت انزلاق المجتمع نحو الشتات.
ويتجلى الامتنان أيضاً في ملف “التعليم المستمر” الذي لم يكن ليتحقق لولا الرؤية التي وطنت المعرفة في كل ولاية عبر ثورة التعليم العالي؛ فبينما نرى اليوم جامعاتنا ومراكزنا العلمية معطلة أو مدمرة، نستذكر بتقدير كيف كانت قاعات الدرس تفتح أبوابها للفقير قبل الغني في أطراف البلاد قبل مركزها، مما خلق نهضة أكاديمية لم تتوقف رغم الحصار والضغوط. هذا التعليم كان جزءاً أصيلاً من “هيبة الدولة” التي يفتقدها السودان الآن، تلك الهيبة التي كانت تعني استقلال القرار الوطني، وامتلاك كلمة مسموعة في المحافل الدولية، وحماية المؤسسات من الانهيار والتبعية.
إن المقارنة بين الماضي والوضع الراهن تكشف بوضوح أن ما كان يعتبره البعض من المسلمات، مثل استقرار الخدمات والبنية التحتية من سدود وطرق وجسور، أصبح اليوم في ظل الخراب الحالي مكاسب تاريخية تستحق التقدير. لذا، فإن هذه المبادرة هي صرخة وفاء تعترف بأن الحفاظ على كيان الدولة، وتوفير الأمان، وضمان استمرار التعليم، كانت إنجازات استراتيجية حفظت كرامة الإنسان السوداني و”سترة” حاله لثلاثة عقود، وهي المرتكزات التي يتطلع الجميع اليوم لاستعادتها ليعود السودان قوياً شامخاً كما كان
