ولان التاريخ منذ بدء الخليقة لا يرحم، نقرا سود الصحائف، ونخط حرف الكلم وسما علي ذاكرة الزمن .. ثم نكتب بعضا من تفاصيل موت معلن .. فالكتابة عندنا تتخذ حينا شكل الفراش .. واحيانا أخر مقذوف الرصاص ..وإن شئت اكثر.. شيئا من إنفجار الحريق ..!
ومابين البندقية والقلم ثمة بون بينهما يملاءه البارود والدم والمداد والالم .. وذلك ما يجعلنا نتخندق و الجيش معا .. في حفرة واحدة.. ونرصد الاحداث من ذات دائرة خط النشنكة .. ثم نقص القصص لقوم يؤمنون ..!
وبعض القصص .. عن بعض المدن كما هو مدد الشهد .. حلو المزاق .. شهي الكبرياء .. كنساء الواركي … والواركو بلغة اهلها الدلنج .. هي ذاتها القبيلة التي سميت بها حاضرة المكان ..المحاصرة الان ..!
” دلنج سودان “.. مقولة مختومة بختم البوستة.. طافت مواني ومطارات المستعمرات البريطانية اجمع وهي تشير لذات مركز المكان .. مصحوبة باهزوجة العسكر .. كان يرددها الجيش الانجليزي .. وكذلك لاحقا فعل جيش السودان .. ” مندي كونجو كرو “..!
واهزوجة الجلالة تلك .. تحدث الناس عن شجاعة إمراة سودانية اسمها مندي بت السلطان عجبنا ..!
اذن عن دلنج الثورات والتضحيات الجسام نتحدث .. وللحديث شجون يشد عضد بعضه بعضا ..حين يحكي عن روعة المشهد ..!
حدث ذلك في العام 1871.. يوم ان هاجمت المدينة جموع دراويش المهدية ..الجهادية..الذين شتتهم المدينة ايدي سپأ .. مقهورين بالخيبة …!
يومها كانت رسائل الحرب العاجلة تومض ليلا من حريق النار..من قمة جبل الدلنج .. باضرام الحطب إشارة من بعد .. ومفاد الإشارة ذاك يختصر الحال في جملة .. ثمة خطر داهم علي ابواب المدينة .. من ذاك الطريق ..!
والطريق ذاك .. طريق الشؤم الذي قالت به النار.. شمال غرب المدينة.. هو ذات الطريق الذي تقاطرت منه جموع الجهادية .. وهو ذاته الذي جاءت به قوات الجيش الانجليزي.. بقيادة اي كي إسميث.. قائد العملية 32 التأديبية .. للقضاء علي السلطان عجبنا.. بالجبال الغربية للدلنج.. حدث ذلك في العام 1916. وهو ايضا.. ذات الطريق الذي وصلت إليه قوات الجنجويد في العام 2025.. لتطويق الدلنج.. بحصار معلن بالموت البطئ ..دفعات دفعات..!
وفي طي الحكي قلم يلقم نفسه ببارود الغضب ثم يفرغه كالرصاص..وهو ينفث سردا مقفي يلجم بالدهشة.. فالشي من معدنه يستعزب ..
ولان شاعره رجل يقال له الطيب ديجو.. صناجة الدلنج .. معلم اجيال وقور يترجل عن صهوة جواد هدؤئه ويبث صوته لاهجا بسب الجنجويد.. وكذلك يفعل بالإمارات.. يجبر النفس لتستمع ثم تشد إليها إزارها موثوقا علي الخاصرة وتخرج في سبيل الموت.. طلبا للشهادة في سبيل الارض والعرض ..!
” قاتل الله الإمارات و جنود الجنجويد.. اينما ثقفوا “.. هكذا تسب المدينة.. كل يوم حين تصحو.. وتتوضاء ثم تزهب لصلاة الصبح.. حاضرة بين يدي الله ثم تدعوه.. تضرعا وخفية.. ان يجعل عالي الإمارات اسفلها.. ولا اسفا علي الماضي .. فالدلنج مدينة لن تموت من جوع..او تفقر من كرم.. ولو اجتمعت عليها كل جرابيع الوجود..!
ويبقي ٱخر البطولات عندنا ما قامت به إبنتنا الطالبة .. تبارك احمد ادم دار سعيد .. يوم ان زهبت تمد يد العون في عام كله ايام مسقبة.. لانقاذ الجوعي من اهالي الدلنج.. وهي تنشد شيئا من بعض القريض ؛
عيب الوطن الموشّح بالورود الزاهية تتحكم فيه الإمارات ناهية ..
والجيش جيش وطن مو جيش قبيلة وفرد.. الوطن يسع الجميع اوعك تفوت الحد..
اكان للجيش.. انحنا الجيش معاه بالجد.. وما بنفوتو لو السماء تنشق او الارض تنقد ..!
نسمع ونري .. ثم نكتب ولا زالت الدلنج يحاصرها الموت البطئ .. ورغم ذلك تغني صباياها كل يوم مساء.. في ساحة دياكري .. وهن يرددن اغنيات للصباحات الجميلة .. في انتظار لحظة مجي الجيش .. ليرقصن علي انغام النقارة.. الكيرنق .. وذاك هو الصمود الاجمل .. علي الإطلاق ..!
بدرالدين خاطر
