الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتسحر الإبداع عند صلاح الدين الفاضل. ...

سحر الإبداع عند صلاح الدين الفاضل. بقلم/ زين العابدين صالح عبد الرحمن

أن البروفيسور صلاح الدين الفاضل يعد علما معرفيا في الإبداع، حتى إذا لم تضع هذه الدرجة العلمية التي تتقدم أسمه، و خاصية صلاح الدين الفاضل أنه يضع بصمته على تلاميذه دون أن يحرمهم من بناء الشخصية الإبداعية المستقلة في ملامحها الخاصة، لأنه يعرف كي يضع قواعد البناء المتينة مع السماح لكل واحد أن يحلق في خياله الخاص.. انقل هنا مقتطف من كتابي ” سحر الإبداع ” عن مدرسة صلاح الدين الفاضل في العمل الإذاعي..

تعتبر مدرسة صناعة الشَّخصية الإذاعية، أهمَّ مدرسة تقوم بصناعة الإذاعي المُلم بكلِّ فنون العمل الإذاعي، وهذه المدرسة رائدها البروفيسور صلاح الدِّين الفاضل، من خلال قسم الدِّراما في الإذاعة السُّودانية، ومن خلال هذا القسم الذي كان رئيسه، كان يقوم بدراسة الشَّخصية الإذاعية دراسة دقيقة، ويختار العناصر التي يريد أن يجري تجربته عليهم، ومن الملاحظ كانوا جميعاً من خريجي معهد الموسيقى والمسرح. وأيضاً الملفت للنَّظر كان مَنْ يحملون درجة البكلاريوس من كليات الإعلام يفضِّلون الذَّهاب إلى إدارة الأخبار السِّياسية والقسم الثَّقافي، في الإذاعة.

يعتقد صلاح الدِّين الفاضل أنَّ أيَّ شخص يختزن في عقله الباطني صوراً جمالية وتعبيرية وتشكيلية، وأنَّ هذه الصُّور لا يمكن أن تخرج للواقع إلَّا إذا حدث استفزاز كبير للمبدع من خلال دائرة الإبداع التي يعمل فيها، لذلك درج صلاح الدِّين الفاضل على أن يستفز الشَّخص الذي أمامَه ويواصل العملية الاستفزازية في الحقل العملي بهدف تفجير كلَّ الطَّاقات الإبداعية المكبوتة لديه. ولكن هذا النَّوع من التَّعليم يعتمد على قدرة المبدع على فهم صلاح الدِّين الفاضل، ودائماً تجد الفاضل عندما يقوم بعملية الاستفزاز يكون قد رسم تكشيرته المعهودة على وجهه، وبدأ ينظر للشخص في أم عينيه كي يتحسَّس إلى أيِّ درجة كان الاستفزاز مؤثرا عليه، ثمَّ بعد ذلك يبدأ الحديث حول الرِّسالة التي يريدها ومعرفة قدرة المتلقي على التَّجاوب، فإذا كان الاستفزاز قد أحدث أثراً إيجابياً هو المقصود، ويساعد على خروج الصُّور التَّعبيرية، وفتح الشَّهية للعمل، وإذا كان الاستفزاز أحدث أثراً سلبياً، باعتقاد الشَّخص أنَّ الفاضل قلَّل من شأنه ولا يرغب في تعليمه، وهذا الشخص ربما تكون عنده الطَّاقات الإبداعية عادية، وليس طاقات خلَّاقة تساعده على الإبداع. لكن الفاضل لا يترك طالبه يحتار كثيراً وسرعان ما يُغيِّر الأسلوب حتى يأخذ الطَّالب نفساً ثم يرجع مرة أخرى لذات الاستفزاز ولكن بشكل تدريجيٍّ حتى يتأكَّد أنَّ الطَّالب قد استوعب الدَّرس.

لا يهتم صلاح الدِّين الفاضل بماذا تريد أن تقدِّم، في مُقبلِ حياتك في العمل الإذاعي، ولكن المهم عنده، كيفية صناعة المبدع الإذاعي المتكامل البنيان، ولا يقدِّم الفاضل محاضرات نظرية إنَّما رسالته التَّعليمية خليط بين النَّظري والعملي، ويعتقد أنَّ الذين تخرجوا من الجامعات ملمين بالدِّراسة النَّظرية، وهم في أمسِّ الحاجة للتطبيق العملي، لذلك توقَّع سؤال نظرياً منه قبل بداية أيِّ عمل تطبيقي، وعادة لا يوجه السُّؤال لصاحبه، إنَّما لأيِّ شخص يعتقد أنَّه لا يعرف الإجابة، وفي هذا الأثناء يكون المقصود بالسُّؤال قد جمع ذاكرته وأصبح مستعداً للجواب، وفجأة يلتفت للشخص المقصود ويقول في سؤال استفزازي، أنت تعرف الإجابة…!

يتعامل صلاح الدِّين الفاضل مع المبدع، كمخزن للطَّاقة الإبداعية، والصُّور الجمالية، وأنَّ المتلقي للرِّسالة الإذاعية نفسه يحمل ذات الصُّور الجمالية وإن كانت تتفاوت في الدَّرجة، ولكن على المبدع، أن يتعلَّم كيف يتعامل مع الذين يراد توصيل الرِّسالة لهم باعتبارهم مبدعين لا يقلون شيئاً عن إبداعه والفارق هي الوظيفة، هذا الإحساس بالندية الإبداعية، يعتبر هو التَّحدي الذي يجعل المبدع يقدِّم أقصى ما لديه من إبداع في الرِّسالة الإذاعية، ويطرح المبدع سؤالاً كيف سوف يتعامل المستمع مع المادة الإذاعية، وهذا التّخيل يعد عصب الإبداع الذي يحدِّد نفسية وسلوك ورِدة فعل المستمع مع الرِّسالة الإذاعية. وهذا الإبداع المبذول من الجانبين المرسل والمتلقي، هو الذي يجعل للرِّسالة واقعاً جديداً، وتتحوَّل من نصوصٍ مجرَّدة ومعلومات إلى نصوص إبداعية في غاية البهرجة، بتفاعلها بين الجانبين المرسل والمرسل إليه، وهو ما أطلق عليه صلاح الدين الفاضل، الرُّؤية عن طريق الأذن. إذاً، ما هو الهدف من ذلك؟

الرِّسالة الإذاعية عند صلاح الدِّين الفاضل، يجب أن تحتوي على عدد من المضامين، وكل مضمون يجب أن يؤدي مفعوله في التَّنمية الثَّقافية عند المتلقي، ولكن التَّأثير لا يتم إلَّا إذا كانت الرِّسالة نفسها تحتوي على العديد من الأسئلة، تجعل المستمع يجتهد من أجل الإجابة عليها، هذا الاجتهاد هو قوام الوعي الذي تولِّده الرِّسالة الإذاعية، والإجابة لابدَّ أن تكون عن طريق التَّخيُّل، مصحوباً بالتعبير الجمالي، الذي يعزِّز تنمية الوجدان المشترك، وفي نفس الوقت الانتقال إلى بناء مقوِّمات الشَّخصية الوطنية. وهي رسالة تتداخل معها مؤسَّسات كثيرة، ولكن في المؤسَّسة الإذاعية، كانت رؤية الفاضل أن تهيئ الشَّخص لتقبل الرَّسائل الأخرى، من خلال التَّأثير الوجداني “Emotional effect”، وهذه تعتمد على كيفية استخدام المؤثِّرات الصَّوتية، واختيارها الذي يتناسب مع الرِّسالة، لذلك تجد الفاضل يميل لاستخدام عدد من المؤثِّرات في الرِّسالة الواحدة، بسبب أنَّ الرِّسالة تحتوي على عدد من المضامين، ويفضّل المؤثِّرات الطَّبيعية النَّاتجة من البيئة، عن المؤثِّرات الموسيقية والاصطناعية، باعتبار أنَّ الخيال نفسه يتولَّد من البيئة. وهنا يختلف صلاح الدِّين الفاضل عن المدرسة التَّقليدية التي تعتمد على قدرة المذيع في الوصف للحدث والمكان، دون حاجة لتدخُّل مؤثِّرات أخرى، باعتبار أنَّ الوصف الدَّقيق يساعد على التَّخيُّل عند المتلقي..

سيظل البرفيسور صلاح الدين الفاضل باقيا كمدرسة لها ملامحها الخاصة في تلميذه و الذين تأثروا بتجربته الإبداعية في العمل الإذاعي، و يبقى تصوره “فن الرؤية من خلال الأذن، باقية كمعلم معرفي و إبداعي يرسم خطوطه في أية رسالة.. نسأل الله له الرحمة و المغفرة و القبول الحسن، و خالص العزاء لتلاميذه و اسرته و أن يجعل الخير في ذريته..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات