جاء العهد الذي قدّمه حزب الأمة القومي إلى القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في لحظةٍ مفصلية من تاريخ السودان، وفي توقيتٍ تتقاطع فيه البنادق مع الفراغات السياسية،ليؤكد دعم الحزب الكامل للجيش السوداني حتى يتحقق النصر وتُستعاد الدولة من براثن الفوضى والمليشيا.
لعمري، ليست هذه الخطوة إلا علامة من علامات الاستشفاء السياسي بعد سنوات من التوهان، ومرحلة من الارتباك أعقبت رحيل كبار القادة الذين شكّلوا وجدان الحياة الحزبية السودانية، من أمثال الصادق المهدي، وحسن الترابي، ومحمد إبراهيم نقد، ومحمد عثمان الميرغني، وغيرهم من أساطين السياسة السودانية الذين كانوا – رغم اختلافهم – يمثلون مراكز ثقل تحفظ توازن المشهد العام.
برحيل هؤلاء، دخلت الأحزاب في حالة تيه، وغابت المبادرات، واختلّت المعادلات، حتى باتت بعض القوى السياسية بلا بوصلة، وأخرى بلا موقف، وثالثة – للأسف – اختارت الاصطفاف في الضفة الخطأ من التاريخ.
ومن هنا، تكتسب عودة حزب الأمة إلى موقعه الطبيعي في صف الدولة والجيش أهمية استثنائية ، فهي لا تمثل فقط تصحيح مسار لحزب عريق، بل كسرًا صريحًا لأحد الأجنحة السياسية التي وفّرت غطاءً مدنيًا لمليشيا الدعم السريع، لا سيما من بعض المنتسبين لبيت المهدي الذين اختاروا أن يقفوا ضد الجيش، وضد إرادة الشعب، وضد فكرة السودان ذاته.
إن هذا العهد الأنصاري، في رمزيته قبل مضمونه، هو بمثابة مسمار نعش لكل خطاب حاول تجميل التمرد، أو تسويغ الجريمة، أو المساواة الزائفة بين الدولة واللا دولة. وهو رسالة واضحة بأن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يسامح من يقفون في المنطقة الرمادية حين تكون الأوطان على المحك.
ولعل الأهم من ذلك، أن هذه الخطوة مرشحة لأن تُحرّك مياه الأحزاب السياسية الراكدة، وتُخرجها من تقوقعها المزمن، لتلتحق – إن أرادت – بالركب الوطني الماضي بثبات نحو استعادة السيادة، وتحقيق العزة والكرامة لأهل السودان.
إن السياسة، حين تنحاز للدولة، لا تفقد أخلاقها، بل تستعيد معناها. وحزب الأمة، بهذا العهد، يضع نفسه أمام اختبار التاريخ ، إما أن يكون جزءًا من معركة الكرامة الوطنية، أو شاهدًا متأخرًا على نصر لم يشارك في صناعته.
وفي أزمان الحرب، لا تُقاس المواقف بنعومة الخطاب، بل بوضوح الاصطفاف. وقد قال حزب الأمة كلمته… ويبقى على الآخرين أن يختاروا مواقعهم قبل أن تُغلق صفحات هذا الفصل من تاريخ السودان.
..Elhakeem.1973@gmail.com
