لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان معزولة عن سياقها الإقليمي والدولي ، ولا يمكن قراءتها بوصفها صراعًا داخليًا محضًا على السلطة أو النفوذ ، فخلف الدخان والدم ، تقف حسابات أكبر ، تتقاطع فيها ملفات السيادة ، والتطبيع مع الكيان الصهيوني ، وإعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط المصالح الجديدة ، وفي قلب هذه التقاطعات يبرز ما يُعرف بالاتفاقية الإبراهيمية ، بوصفها أحد المفاتيح غير المعلنة لفهم ما جرى ويجري في السودان ، الاتفاقية الإبراهيمية ، ببساطة هي إطار سياسي رعته الولايات المتحدة عام 2020م ، لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية ، تحت عناوين السلام والتعاون الإقليمي ، غير أن جوهرها كما يراه كثيرون ، يتجاوز الدبلوماسية إلى إعادة ترتيب موازين الولاء والاصطفاف في المنطقة ، ولو على حساب القضايا المركزية وعلى رأسها القضية الفلسطينية ، وثوابت السيادة الوطنية للدول ،
السودان ، بخلاف دول أخرى ، لم يدخل هذا النادي برغبة سياسية ناضجة أو توافق داخلي ، بل وجد نفسه تحت ضغوط متعددة الأشكال ، اقتصادية ، سياسية ، ثم أمنية ، ومع تعثر مسار التطبيع داخليًا ، وتنامي الرفض الشعبي والوطني له ، بدا أن كلفة التمنع عن الدخول في النادي الإبراهيمي قد ارتفعت ، إلى حد الانتقال من الضغط الناعم إلى الضغط الخشن .
هنا تتقاطع الحرب مع السياسة ، فالدول ذاتها التي رعت الاتفاق الإبراهيمي ، لعبت أدوارًا مباشرة أو غير مباشرة في تعقيد المشهد السوداني ، عبر إدخال مليشيا الدعم السريع كطرف مُعادِل للدولة ، ومنحها غطاءً سياسيًا وتمويليًا ، كانت الإمارات أحد أبرز عناوينه ، هذا الواقع جعل الصراع في السودان يتجاوز كونه نزاعًا داخليًا ، ليغدو تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية ووحدة الدولة ،
وأمام هذا الخطر ، قرأ السودان المشهد ، واختار الدخول المباشر في التفاوض مع الولايات المتحدة ، في محاولة لتجاوز الدور الإماراتي ، وانتزاع الملف من أيدي الوسطاء ، والذهاب به إلى طاولة المصالح الكبرى ، فالدولة حين شعرت أن سيادتها باتت مهددة ، أدركت أن المناورة عبر القنوات غير المباشرة لم تعد مجدية ، وأن الصدام المؤجل لا يقل خطرًا عن الصدام المباشر .
في المقابل لا يمكن تجاهل أن قطاعًا واسعًا من الشعب السوداني يرفض التطبيع مع إسرائيل رفضًا مبدئيًا وأخلاقيًا ، انطلاقًا من ثوابت راسخة تتصل بالقضية الفلسطينية وبكرامة القرار الوطني ، وعلى هذه القطاعات أن تعي أن الدولة ، بانخراطها المباشر في التفاوض مع الولايات المتحدة ، لم تفعل ذلك من موقع الرغبة أو القناعة ، بل من موقع الاضطرار ، حفاظًا على ما تبقى من سيادة السودان ، ومحاولة لتقليل الخسائر في لحظة تاريخية بالغة التعقيد ،
وربما يسمع السودانيون يومًا عن مكاتب تبادل تجاري ، أو عن فتح المجال الجوي السوداني للطيران الإسرائيلي ، أو عن أشكال محدودة من التعاون ، لكن السؤال الحقيقي ليس في وجود هذه الخطوات من عدمها ، بل في السياق الذي فُرضت فيه ، ومن الجهة التي حاولت فرضها عبر السلاح والفوضى ، لا عبر الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية .
هذه التحركات بدأت منذ لقاءات رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بمستشار الرئيس الأمريكي ، إلى زيارته السعودية ولقائه بولي العهد ، ثم إدراج الملف السوداني بقوة على طاولة التفاوض الأمريكي السعودي ، وصولًا إلى زيارة مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني لواشنطن ، التي لا يمكن فصلها عن محاولة السودان قطع الطريق على فرض التطبيع عبر الحرب ، وإعادة التفاوض من موقع الدولة لا المليشيا ، فالدخول إلى أي ترتيبات إقليمية ، بما فيها الاتفاق الإبراهيمي ، يجب أن يكون قرارًا سياديًا حرًا ، لا نتيجة ابتزاز أمني أو حرب بالوكالة ، إن الثوابت الوطنية السودانية ، وفي مقدمتها استقلال القرار ، ورفض التطبيع المفروض ، والوقوف مع قضايا الأمة العادلة ، هي ذاتها التي جعلت السودان يدفع ثمنًا باهظًا ، لكن المؤكد أن الدول قد تُهزم حين تتنازل ، لا حين تتمسك بمبادئها .
ربما تكون الحرب قد كشفت حجم المؤامرة ، لكنها كشفت أيضًا أن السودان ، رغم الجراح ، ما زال قادرًا على إعادة ترتيب أوراقه ، وفرض نفسه طرفًا لا ساحة ، فالتاريخ لا يرحم الدول التي تُدار بالريموت كنترول ، ولا يكافئ من يفرط في سيادته مقابل وعود زائفة بالاستقرار … لنا عودة.
