ملف العائدين والمتعاونين مع المليشيا ليس قضية هامشية ولا ملفًا يمكن تجاوزه بحسن النوايا أو المساومات الاجتماعية ، بل هو أحد أخطر أبواب تهديد الأمن القومي من الداخل ، فالدولة التي تحارب في الجبهات لا يمكن أن تغض الطرف عن من فتحوا الأبواب للعدو من داخل الأحياء والقرى ، وسهّلوا له القتل والنهب والاغتصاب ، ثم عادوا اليوم يرتدون عباءة الندم أو قولهم ان الظروف هي التي اجبرتهم على ان يكون خُدامًا للمليشيا ، وإلا سيكون مصيرهم القتل.
هذا الملف لا يحتاج فلسفة ولا تمييعًا ، كل من ثبت تعاونه مع المليشيا ، أو انخراطه في صفوفها جنديًا ، أو عمله في جمع المعلومات ورفع الإحداثيات ، أو مشاركته في سرقة بيوت جيرانه وترويع الآمنين ، يجب أن يُحاسب محاسبة كاملة ، فمن قتل وسرق ودمر لا يُكافأ على جريمته ، ولا يُمنح فرصة جديدة ليكررها بأدوات أخطر وأساليب أكثر خبثًا ، التجربة أثبتت أن التساهل مع هؤلاء لا ينتج سلامًا ، بل ينتج جريمة مؤجلة ، فالمتعاون الذي أفلت من العدالة بالامس ، هو ذاته من يحدد المواقع اليوم وغدًا ، ويرشد المسيّرات إلى أهدافها ، ويحوّل المناطق الآمنة إلى ساحات رعب ، وطالما شعر المجرم بالأمان ، سيواصل فعله بلا خوف ولا تردد .
الأخطر أن دوافع الانضمام للمليشيا لم تكن واحدة ، فمنهم من باع ضميره مقابل المال ، ومنهم من انساق خلف عصبية قبلية ، ومنهم من تحرك بدافع سياسي وأجندة واضحة ، هؤلاء جميعًا يجب أن يوضعوا في خانة واحدة ، هي خانة المجرم ، فلا فرق بين الجنجويدي الذي يحمل السلاح في الميدان ، ومن يحمل الهاتف ليرفع الإحداثيات ، فالأذى واحد والدم واحد ، المسؤولية هنا لا تقع على الدولة وحدها ، بل على المجتمع أيضًا ، فالتستر على مجرم خدم المليشيا خيانة مضاعفة ، والصمت عن المتعاونين مشاركة غير مباشرة في الجريمة ، لا وطن يُبنى بالمجاملات ، ولا أمن يُحفظ بالخوف من ردود الأفعال الاجتماعية ، كما أن إطلاق سراح المتورطين بالوساطات ، سواء كانت قرابة أو معرفة أو نفوذًا ، يمثل خطرًا لا يقل عن الجريمة نفسها ، بل يجب أن يشمل الحساب كل من توسط لإخراجهم ، أيا كان موقعه مدنيًا أو عسكريًا ، لأن العدالة الانتقائية أخطر من غياب العدالة .
اخيرًا لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن المخطط الأكبر الذي يستهدف السودان ، فالمخطط الذي ترعاه دولة الإمارات لتفكيك البلاد مخطط واسع ، تُستخدم فيه كل الأدوات ، وملف المتعاونين في المناطق الآمنة يُنفق عليه بسخاء لضمان زعزعة الأمن عبر حرب المسيّرات والاختراق الداخلي ، الحسم في هذا الملف ليس خيارًا سياسيًا ، بل ضرورة وجود ، فالدولة التي لا تحسم خطر الداخل تفرّغ انتصارات الجبهات من مضمونها ، وتترك خاصرتها الأمنية مفتوحة مهما بدا المشهد العسكري متقدّمًا تهزمه مثل هذه الثغرات..لنا عودة.
