الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتمواقف وسوالف ...

مواقف وسوالف في زمن الفوضى المُدارة: السعودية مع السودان حمايةً للأمن القومي العربي بقلم/ خالد الضبياني

لم تعد الحروب في منطقتنا تُخاض من أجل النصر بل من أجل إدارة الفوضى. فالعالم اليوم منقسم إلى محاور لا تتصارع وجهًا لوجه بل تتقاطع فوق جغرافيا الدول الضعيفة وتدير صراعاتها بالوكالة وتعيد رسم الخرائط على وقع الدم والانهيار.
في المشهد الأول يقف محور أمريكا إسرائيل الإمارات محور يجيد اللعب في المساحات الرمادية. أمريكا لا تسعى للحسم بل لإطالة أمد الصراع بما يكفل استمرار الهيمنة. إسرائيل تستثمر في كل شرخ وتعتبر الفوضى المحيطة بها ضمانة أمنية طويلة الأمد. أما الإمارات فقد انتقلت من دولة اقتصاد إلى لاعب سياسي وأمني نشط يمد نفوذه حيث توجد الموانئ والممرات والفراغات الخطرة.في المقابل يتحرك
محور روسيا – تركيا إيران بدافع كسر الطوق الغربي. روسيا تريد موطئ قدم دائم في المياه الدافئة. إيران تخوض معركة نفوذ وجودية بأذرعها. وتركيا كعادتها لاعب براغماتي لا تحكمه الشعارات بل المصالح تتقدم خطوة وتتراجع أخرى وفق حساب الربح والخسارة.وسط هذا الصراع المحتدم تظهر مصر والسعودية كاستثناء نادر في زمن المغامرات. فهما لا تبحثان عن إشعال الحرائق بل عن منع تمددها. تدرك القاهرة والرياض أن انهيار الدول المحيطة ليس انتصارًا لأي طرف بل مقدمة لفوضى شاملة لا يمكن السيطرة عليها.وهنا تتجلى أهمية
السودان لا كأزمة داخلية فحسب بل كقلب جيوسياسي نابض. السودان ليس دولة هامشية بل دولة مفصلية تربط الأمن العربي بالإفريقي،ط وسقوطه يعني فتح البحر الأحمر على مصراعيه للفوضى والميليشيات والتدخلات الأجنبية. لذلك لم يكن الموقف السعودي الداعم لوحدة السودان ومؤسساته موقفًا عاطفيًا أو دبلوماسيًا ناعمًا بل قرار أمن قومي محسوب بدقة.
السعودية تدرك أن تفكيك الجيوش الوطنية وتحويل الدول إلى كانتونات مسلحة هو الخطر الحقيقي. وترى أن الحل في السودان يجب أن يكون سودانيًا يحفظ الدولة لا يستبدلها بالميليشيا ويصون السيادة لا يبيعها تحت عناوين براقة. هذا الموقف لا يخدم السودان وحده بل يحمي أمن البحر الأحمر ويصون العمق الاستراتيجي العربي من التآكل.أما اليمن فهو الجرح المفتوح عند باب المندب حيث تتقاطع المصالح الدولية تحت لافتة حماية الملاحة. استمرار أزمته ليس فشلًا دوليًا بل خيارًا محسوبًا لإبقاء المضيق تحت التهديد وتبرير الوجود العسكري الأجنبي. وفي أرض الصومال تتحول الجغرافيا إلى سلعة سياسية والاعتراف إلى ورقة مساومة في صراع صامت على مفاتيح القرن الإفريقي.
خلاصة الأمر أن ما يجري في المنطقة ليس صدفة ولا نتاج عجز،ط بل هندسة فوضى بطيئة. وفي هذا المشهد المعقّد يبرز الموقف السعودي ومعه المصري كخط دفاع أخير عن فكرة الدولة وعن الأمن القومي العربي بوصفه أمنًا جماعيًا لا يقبل التجزئة.السودان اليوم
ليس وحده في الميدان ومن يظن أن النار ستتوقف عند حدوده يجهل دروس التاريخ فالفوضى حين تُطلق لا تعترف بحليف ولا بعدو ولا تتوقف إلا بعد أن تحرق الجميع.ومن هنا فإن الوقوف مع السودان ليس خيارًا سياسيًا بل ضرورة وجودية للمنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات