تبقت أيام قلائل لتنطلق فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب للدورة (٥٧). وقد يكون معرض القاهرة الدولي للكتاب من أهم الفعاليات الثقافية في مصر والشرق الأوسط على الرغم من تراجع دور الكتاب والمطبوعات الورقية عموما بعد أن صارت الكتب والمؤلفات مبذولة للكافة من خلال الوسائط وشبكة الإنترنت ، كما وبالإمكان الحصول على الكتاب والمعرفة بلا رهق معاناة النظر، بالوسائل المتيسرة الحديثة كالسماع للموسيقي الهادئة . ولكن مع ذلك، لا يزال للكتاب المطبوع قيمته وتأثيره، كما ولمعارض الكتاب قيمتها الثقافية وبريقها المتجدد ، وإن لم يكن كالسابق . في أسبوع معرض القاهرة الدولي للكتاب في كل عام يتيسر للمثقف والقارئ المهتم بالكتاب أن يجد أمهات الكتب والمراجع وأهم الإصدارات والمؤلفات في شتى ضروب العلوم والمعارف والآداب والفنون . كما ويُصاحب معرض الكتاب فعاليات ثقافية وعروض فنية وموسيقية وفرص للأسر للنزهة ، خاصة الأسر السودانية المحبة للإطلاع والمرهقة نفسيا بمعاناة الحرب ،وهي الفارة من جحيم آثارها العبثية المدمرة .
في معرض القاهرة الدولي للكتاب العام الماضي حظيت بدعوة من الأستاذ نبيل عبد الفتاح لحضور ندوة هامة، كان موضوعها من أهم موضوعات الندوات الفكرية في فعاليات معرض القاهرة الدولي العام الماضي، ندوة بعنوان (العرب والغرب رؤى متبادلة)، المتحدثان في الندوة المذكورة هما المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز والكاتب المغربي محمد المعزوز وادارها الباحث المُوسعة الأستاذ نبيل عبد الفتاح. لقد كانت أمسية ثقافية مميزة ومحضورة بالمفكرين المصريين ورصفائهم من الضيوف العرب وزوار المعرض . تحدث المفكران المغربيان وهما يقيمان بدول الغرب عن تيار التمسك بالمرجعيات التقليدية والذي يرى في الغرب تهديدا يجب مقاومته (شرا مطلقا) ،مقابل التيار العصري الحديث الليبرالي الذي هو على نقيضه ويرى في الغرب (خيرا مطلقا) ، وقد صار هنالك معسكران لكل منهما رؤيته للغرب من منظور (الشر) أو(الخير)، وكان لا بد من منظور ثالث للغرب يقوم على النظرة الموضوعية ، وقد صار الغرب يُشكل بمفاهيمه المتجددة وأقع حاضر عالم اليوم بسلبياته وإيجابياته ، والغرب به التعدد والتنوع الفكري والثقافي والعقائدي ، ويحتاج من يتعامل معه إلى معرفته وسبر غوره للتمييز بما فيه من شر وخير، وهنالك مفاهيم أثرت في نظرة الغرب للشرق بمثل تأثير فلسفة وفكر توما الأكويني الذي لا يزال فكره مؤثرا في تشكيل مفاهيم الغرب الثقافية والدينية وهو فيلسوف اللاهوت والقيس الذي تثبت من وجود الله من خلال العلم . وقد ارتكزت معرفته للحضارة العربية كما ذكر بلقزيز من خلال ترجمة مشوهة لكتابات ابن رشد. وفي النقاش ظهر التباين في الرؤى بين المشاركين ،وهنالك من قال بانه توقع أن ياتي بلقزيز وبعزيز بجديد، ولكن لم يفعلا سوى عرض ما سبق عن سمعوه منهما في الوسائط . لقد خرجت من تلك الندوة بالسؤال المطروح . هل المثقف هو المنتج للثقافة أم الزخرفي الذي يمتاز بملكة حفظ وعرض الأفكار . والباحث المهتم عن الإجابة قد يجدها عند الإطلاع على عمق فكر انطونيو غرامشي ذلك الفيلسوف الذي لم يكتب عن الهيمنة الثقافية بل عاشها وعاني منها وقاومها بالفكر والوعي ،وفي بواكير شبابه اسس الحزب الشيوعي الإيطالي وقد عاش في بيئة فقيرة ليعبر عن احتياجات مجتمعه للعدالة الإجتماعية وقام موسوليني باعتقاله في عام ١٩٢٦م وبقي في زنزانة قاسية يقاوم الفاشية بفكره حتى مات تحت وطاة التعذيب عام ١٩٣٧م وكتب في سجنه (دفاتر السجن ).، لم يكن غرامشي داخله سجنه يُفكر وينتج المعرفة من أجل أن يُقال مفكرا. بل كان يعبر عن نمط فريد في إنتاج الوعي . ينتج فكره في سجنه، عما يجري في محيطه الخارجي من وأقع مرير ، فاصبح بعمق فكره المُنتج رائدا للفلسفة الفاصلة ما بين المثقف الواعي والمثقف الزخرفي .
إن أمسيات ندوات القاهرة الثقافية ليست موسمية بمثل معرض القاهرة الدولي للكتاب بل ندوات مستمرة بصورة راتبة لمناقشة الكتب العلمية والثقافية والإصدارات والمؤلفات . د. حسام عقل أستاذ النقد من خلال مؤسسة السرد العربي يقوم بدراسات نقدية للرويات والمؤلفات من مقر السرد العربي بشارع السودان ، فينهل المُهتم من فيض بحور الثقافة والمعرفة ،كذلك الأستاذ نبيل عبد الفتاح الذي سيناقش مع د.محمد بدوي كتاب (لا سمع ولا طاعة) للكاتبة عبلة الرويني يوم (الثلاثاء ١٣/ ١/ ٢٠٢٦م) (بمبني القنصلية بوسط البلد الساعة السابعة مساءً والدعوة عامة للحضور) .
