الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتاستقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم ...

استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم حين يصبح السجل الأكاديمي ساحة صراع سياسي وأمني بقلم / مهدي داؤد الخليفة

لا يمكن قراءة استقالة البروفيسور على رباح من منصب أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم بوصفها حدثًا إداريًا عابرًا، أو خلافًا مؤسسيًا محدود الأثر. فهذه الاستقالة، في سياقها الكامل، تمثل وثيقة اتهام سياسية وأخلاقية تكشف عن مدى تغوّل السلطة، واختراقها لأقدس ما تبقّى من مؤسسات الدولة: السجل الأكاديمي، أي ذاكرة الجامعة، وضميرها المهني، وضمانتها الأخلاقية أمام المجتمع والعالم.

لقد جاءت الاستقالة في لحظة مفصلية، تتقاطع فيها الحرب الشاملة، وانهيار الدولة، وعودة الإسلاميين إلى مفاصل السلطة بعد انقلاب أكتوبر 2021، مع محاولات منظمة لإعادة إنتاج السيطرة عبر تزوير المعرفة لا عبر إنتاجها.

السجل الأكاديمي ليس مجرد ملفات وشهادات، بل هو:

الضمانة القانونية لحقوق الطلاب والخريجين،
الأساس الذي تقوم عليه الثقة المحلية والدولية في المؤسسة،
الركيزة التي تُبنى عليها الاعترافات الدولية، والتصنيفات العالمية، والتبادل الأكاديمي.
ومن ثمّ، فإن أي محاولة للوصول غير المشروع إليه، أو العبث بمحتواه، أو فرض الصمت المؤسسي على جريمة تزوير، تُعد تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المعرفي، لا يقل خطورة عن تهديد العملة أو الحدود.

إقرار أمين الشؤون العلمية نفسه بتعرضه لضغوط خارجية صريحة من “طرف ثالث غير مشروع” للوصول إلى سجل الجامعة، والسكوت عن محاولات تزوير الشهادات، يضع الدولة—بأجهزتها المختلفة—في موضع الاتهام المباشر، أو على الأقل موضع التواطؤ بالصمت.

لم يكتفِ الإسلاميون، منذ انقلابهم الأول في 1989، بتسييس التعليم وتخريبه أيديولوجيًا، بل:

  • أعادوا صياغة المناهج وفق رؤية إقصائية،
  • فصلوا الأساتذة على أسس سياسية،
  • دمّروا استقلال الجامعات،
  • خصخصوا التعليم بلا ضوابط.
    لكن ما نشهده اليوم هو مرحلة أكثر انحطاطًا:

الانتقال من تدمير التعليم إلى تزويره.

وهنا لا تعود الجريمة مجرد سوء إدارة أو فساد مالي، بل تتحول إلى تزييف منظم للمعرفة، يهدف إلى إنتاج نخب مزيفة، وشهادات بلا علم، وألقاب أكاديمية بلا استحقاق، وهو ما يفسر:

تفشي ألقاب “دكتور” و“بروفيسور” بلا مسار علمي،
الفضيحة الإقليمية التي كشفها وزير التعليم العالي الأردني السابق د. وليد المجالي، بشأن آلاف الشهادات السودانية الوهمية،
خروج السودان فعليًا من منظومات التصنيف الأكاديمية الدولية.
تحمل جامعة الخرطوم شعارًا فريدًا:

«اللَّه – الحقيقة – الوطن – الإنسانيّة»

وهذا الشعار ليس زخرفة لغوية، بل ميثاق أخلاقي صاغه رواد الجامعة ليجعل من الحقيقة شرطًا لبناء الوطن، ومن المعرفة سبيلًا لخدمة الإنسانية.

فكيف لمؤسسة بهذا الإرث:

أن تسمح بالتلاعب في سجلها الأكاديمي؟
أن تصمت إدارتها العليا عن محاولات تزوير؟
أن تُترك أمين شؤونها العلمية وحيدًا أمام ضغوط خارجية؟
الجواب المؤلم:

لولا وجود تواطؤ، أو خوف، أو مصالح داخل الدائرة العليا، لما أمكن لهذا العبث أن يُطرح أصلًا.

تمثل استقالة البروفيسور على رباح قرارًا شجاعًا ونادرًا في سياق تآكل القيم العامة. لكنها، في الوقت نفسه، تطرح سؤالًا قاسيًا:

هل تكفي الاستقالة حين تتحول الجامعة إلى ساحة اختراق؟
وهل الانسحاب الأخلاقي يمنع الجريمة أم يتركها بلا مقاومة؟
إن ما يحدث ليس خلافًا إداريًا يُحل بالاستقالة، بل معركة وجودية حول ما إذا كانت جامعة الخرطوم ستبقى جامعة، أم تتحول إلى مصنع شهادات مزورة.

وهذه معركة لا تُخاض بالصمت، بل:

٠ بكشف أسماء الجهات المتورطة،
٠ بمساءلة قانونية علنية،
٠ بإعادة الاعتبار للمجالس العلمية المستقلة،
٠ وبتجميد أي إصدار للشهادات خارج الأطر الأكاديمية الصارمة.
لا يمكن فصل ما جرى في جامعة الخرطوم عن المشهد الأوسع لانهيار التعليم في السودان:

  • خروج السودان من تصنيفات جودة التعليم العالمية،
  • تعطيل التعليم لأكثر من 14 مليون طفل،
    تدمير البنية التحتية،
  • انهيار الثقة في الشهادات السودانية إقليميًا ودوليًا.
    ودولة بلا تعليم موثوق:

تفقد قدرتها على إنتاج النخب،
وتفقد شرعيتها الأخلاقية،
وتتحول إلى كيان هش قابل للتفكك.
إن استقالة البروفيسور على رباح ليست نهاية القصة، بل بدايتها.

فإما أن تُواجَه هذه الجريمة:

بالشفافية،
والمحاسبة،
واستعادة استقلال الجامعات،
وإما أن يصبح التعليم في السودان مجرد قناع رسمي لفراغ معرفي شامل.

إن حماية السجل الأكاديمي هي معركة وعي وسيادة.

ومن دونها، لن تبقى جامعة الخرطوم منارة، بل ذكرى.

ولن يبقى السودان دولة، بل شهادة مزورة.

ان ما كتبه البروفيسور على رباح وثيقة نادرة في زمن الانكسار، لكن تحويلها إلى قضية رأي عام هو المسؤولية الحقيقية الآن.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات