الصحافة ليست خبرًا يُحرَّر بركاكة ، ولا صورةً لامعة تُلتقط في الصفوف الأولى ، بل مهنة تُبنى على التعلّم والممارسة والانضباط ، هي سنوات من القراءة والكدّ والاجتهاد ، أربع أو خمس ، يتعب فيها الصحفي على نفسه في مجال الإعلام ، يمتحن قيدًا صحفيًا ، وتتهتّك أحذيته خلف الوقائع والتغطيات ، وتتشرّب ذاكرته برائحة أوراق الصحف ، قبل أن يكتسب حسّ السؤال ، ودقّة الصياغة ، ومسؤولية الكلمة ، ثم في مفارقة قاسية ومشهد بائس ، يجد نفسه أخيرًا في خانة الاحتياطي ، بينما تُفتح الأبواب على مصاريعها لغير المؤهلين.
في المقابل يتقدّم إلى كابينة العمل الصحفي لاعبون جدد ، هواة لا تُعرف لهم مدرسة ، ولا جامعة ، سوى امتلاكهم هواتف ذكية ، وحضورًا جسديًا مصقولًا بعدسات الكاميرات وتعطيش الجيم ، يكتبون بأحبار باهتة ، كلماتهم كخطى كلبٍ يجري وراء فريسته ، أحيانًا بإعوجاج ، وأحيانًا بانكسار ، وأحيانًا بانفصال كامل عن المعنى ، نصوص بلا طعم ولا رائحة ، بلا سياق أو عمق ، لكنها تحظى بالضوء والإنتشار ، لأن الضوء بات يُمنح للشكل لا للمضمون.
أزمة المشهد الصحفي ليست في كثرة الأصوات والاسماء ، بل في هدر القوالب الصحفية وذبحها كذبح الشاة ، فالقالب ليس ترفًا أكاديميًا ، بل صمّام أمان للمعنى ، التقرير له بنية وسياق وتحليل ، التحقيق له سؤال مركزي ووثائق وتحقّق ، المقال رأي مسؤول يستند إلى معرفة ، والعمود نبرة منضبطة لا تنفصل عن الوقائع ، تُجسّد وعي كاتبه ، حين تنهار هذه الحدود ، يتحوّل الرأي إلى تقرير ، والإنشاء إلى تحقيق ، والنسخ إلى تحرير ، ويختلط الحابل بالنابل ، فيسود وجه الصحافة ، وهو ما نعايشه اليوم واقعًا مؤلمًا.
هنا يبرز الدور المفصلي للاتحاد العام للصحفيين السودانيين ، بوصفه الجهة المهنية المنوط بها ضبط الممارسة ، وسنّ القوانين واللوائح التي تحفظ للصحفي حقه ، وتحدّد واجباته ، وتضع المسار الواضح لمن أراد أن يصبح صحفيًا محترفًا ، فالمهنة لا تُكتسب بالادّعاء ولا بالظهور ، بل بقيدٍ قانوني ، وتأهيل مهني ، ومعرفة دقيقة بحدود ما للصحفي وما عليه ، إن غياب الضبط المؤسسي أفسح المجال لظهور مسمّيات وكيانات هشة ، تكاثرت في السودان بعد الثورة والحرب ، وفرضت نفسها بلا لوائح ولا معايير ، فأربكت الساحة ، وخلطت بين الصحافة والنشاط ، وبين المهنة والهواية ، وهو ما يستدعي وقفة حازمة تعيد الاعتبار للتنظيم المهني.
يتصدّر المتصحِّفون الجدد المنابر ببدل لامعة وأشكال جذابة ، وأسماء لم تعرفها عوالم الصحافة ، يجلسون في الصفوف الأولى ، وإن سُئلوا عن ماهية التحرير ، أو عناصره ، أو أخلاقياته ، جاءت الإجابة من متون الوهم وحواشيه ، هكذا تُقصى الخبرة ، ويُكافأ الادّعاء ، وتُختزل المهنة في لقطة وصوت وشكل جذاب.
استعادة الصحافة تبدأ بإعادة الاعتبار للتعلّم ، وللقوالب وللتحرير الرصين ، وبدورٍ فاعل لاتحاد يحرس المهنة لا يجامل فيها ، فالصحافة لا تُدار بالهاتف وحده والشكل ، ولا تُصان بالضوء ، بل بعقلٍ مدرّب وضميرٍ مهني يحمي المعنى قبل أن يحصد التفاعل ، إن عودة العمل الصحفي إلى طريقه الصحيح تتطلّب انتفاضة أهل المهنة ، وحراسة البيت من جراء الصيد الذين يتغوّلون على الساحل بلا أدوات صيد… ولنا عودة.
