ليست كل الخسارات انكسارًا، وليست كل النتائج أرقامًا باردة في سجلات المنافسات. بعض العبارات تُقال في لحظة، لكنها تُكتب في الذاكرة الوطنية طويلًا، لأنها تكشف معدن الأمم في أوقات الشدة.
وحين قال مدرب المنتخب السوداني لكرة القدم بعد الخسارة أمام السنغال في روليت دوري أمم أفريقيا، «محبط من النتيجة وفخور بجهد اللاعبين»، ما كان يبرر لهزيمة، ولا يشكو من بأس ، بل كان يعلن موقفًا… ويزرع بشارة.
هذه العبارة، في ظاهرها رياضية، لكنها في باطنها وبطنها وعمقها وطنية بامتياز. تشبه السودان اليوم:
قد يتألم من النتائج، لكنه لا يساوم على الشرف، وقد يتكئ على جراحه لكنه لا ينكر الجهد، ولا يفقد الإيمان بالطريق.
لقد دخل صقور الجديان المباراة وهم يحملون على أكتافهم أكثر من قميص.. حملوا وطنًا يمر بأقسى امتحاناته، ورفعوا علمًا أراد له العدو أن يسقط وينكّس، فإذا به يرفرف في ملاعب أفريقيا عاليًا، شامخًا، عصيًا على الانكسار والإذلال..
قاتلوا على المستطيل الأخضر كما يقاتل إخوانهم في سوح الوغى ، بعزيمة، وباستبسال، وبإيمان أن الدفاع عن الوطن لا يكون فقط بالبندقية، بل أيضًا بالقدم، والروح، والانضباط.
نعم، خسر المنتخب مباراة، لكنه كسب موقعه في قلوب الناس جميعًا.
كسب احترام الخصوم، وثقة الجماهير، و بعث برسالة مفادها أن السودان – حتى وهو جريح – قادر على الوقوف، وعلى المنافسة، وعلى فرض اسمه حيثما حضر.
وحين ظن العدو أن الحرب ستقعدنا، وأن الدمار سيطفئ وهجنا، فإذا بها – paradox التاريخ – تتحول إلى بوابة نهضة، وجرس يقظة، وسُلَّم عروج نحو البناء والإعمار.
ففي الميدان العسكري رجال، وفي الميدان الرياضي أبطال، وفي كل الساحات أبناء بلد واحد حباهم الله القدرة العجيبة على حمله مرفوع الرأس، مهما ثقلت الأحمال. وتكالب الأعداء..
عبارة المدرب لم تكن اعترافًا بالعجز وإقراراً بالضعف.. إنما كانت إعلانًا عن فلسفة أمة:
نحزن لنتائج الخسارة ، نعم… لكننا نفخر بالجهد، ونراكم التجربة، ونؤمن أن القادم أجمل.
هكذا هو السودان اليوم،
قد يتعثر، لكنه لا يسقط.
وقد يخسر جولة، لكنه لا يخسر المعركة. بل نحن قادمون.. وبعزيمة هؤلاء اللاعبين، وبفدائية جنودنا، وبصبر شعبنا، نحن – بإذن الله – منتصرون. .Elhakeem.1973@gmail.com
