نسأل الله أن يتقبّل الشرتاي آدم صبي في عليين، شهيدًا للكلمة الحرة، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
لقد كان الرجل، بشهادة من عرفوه، صوت عقلٍ وحكمةٍ وشجاعة في زمنٍ انفلت فيه السلاح من عقاله، واختلطت فيه الدولة بالقبيلة، والسلطة بالغنيمة. وكان ثمن قوله للحق أن يُغتال خارج القانون، وخارج الضمير، وخارج كل معنى للدولة.
لماذا قُتل الشرتاي آدم صبي؟ السبب واضح، وبسيط، ومخيف في آنٍ واحد.
قُتل لأنه قال علنًا، وبلا مواربة:
«أبعدوا القبيلة عن حرب الدولة»
قالها أول مرة مع اندلاع حرب دارفور عام 2003، وكررها اليوم، لا من موقع سياسي، ولا بدافع أيديولوجي، بل من واجب الزعامة الأخلاقية التي ترى في حماية الناس من الهلاك أولى من مجاراة المغامرين باسمهم.
في السودان اليوم،
هذه الجملة جريمة.
لم يُقتل الشرتاي آدم صبي لأنه حمل سلاحًا، بل لأنه حاول إنزال السلاح من أكتاف أهله.
لم يُستهدف لأنه قاد تمردًا، بل لأنه رفض أن تُستَخدم القبيلة وقودًا في صراع لا يخدمها، ولا يحمي كرامتها، ولا يبني مستقبل أبنائها.
اغتياله لا يمكن اختزاله في كونه حادثة فردية أو تصفية عابرة، بل هو مؤشر خطير على انهيار مفهوم الدولة، وعلى تحوّل السلطة من مسؤولية عامة إلى أداة قمع، وعلى توحش الخطاب القبلي حين يُسخَّر للحرب بدل أن يكون سندًا للسلم الأهلي
في هذا المناخ المختل، يصبح صوت الحكمة تهديدًا، ويغدو العاقل متهمًا، ويُنظر إلى من يدعو للسلام داخل قبيلته كخائن، بينما يُكافأ دعاة العنف لأنهم يخدمون مشاريع أكبر منهم، تُدار باسم القبيلة ولا تعمل لمصلحتها.
هكذا تُغتال الحكمة أولًا،
لأن وجودها يفضح زيف الحرب،
ويكشف عجز الدولة،
ويعرّي من يتاجرون بدماء الناس.
فلتبقَ روح الشرتاي آدم صبي ترفرف في سماء السودان، شاهدًا على أن أعظم الجرائم هي تلك التي تُرتكب ضد العقل والضمير، قبل أن تُرتكب ضد الأجساد.
إن إنقاذ ما تبقى من هذا الوطن لا يبدأ بمزيد من السلاح، ولا بمزيد من التعبئة القبلية، بل يبدأ بـ:
إبعاد القبائل عن حروب الدولة
وإعادة السياسة إلى أهلها
وإعادة الدولة إلى شعبها
واحترام صوت الحكماء قبل فوات الأوان
فالقبيلة ليست مشروع حرب،
والحكمة ليست جريمة،
والسودان لن يُنقذ إلا حين يتوقف عن قتل من يحاولون إنقاذه.
