لعل طي صفحة عام واستقبال آخر جديد مدعاة للتوقف برهة والتفكير في مسار الحياة والتجديد في مناهجنا.والمتأمل في البيئة المحيطة يلحظ التجديد في كل شيء من حولنا جريان الماء والتغيرات في الطقس والمناخ.ودوران الأرض اليومي والأجرام التي تسبح في الفضاء وتعاقب الليل والنهار.وتداول الأيام والأموال وسجلات الولادات والوفيات وتبدل الأحوال عموماً..وفي زمان العولمة وثورة الاتصالات بات التجديد مطلباً في كل شيء في الثقافة وإدارة التنوع وفي السياسة وتداول الحكم كما طرقت دعاوى التجديد معاقل العلوم الشرعية إذ لم تكتفي بتجديد الخطاب الدعوي فوصلت إلى حصون الفقه وأصوله وتلك مسارات لها سجالاتها من الإمام الشافعي والشاطبي وابن خلدون إلى المعاصرين كالغزالي والقرضاوي والترابي. وديننا لايوصد أبواب التجديد بدءاً من الإيمان وأن الله ببعث من يجدد للأمة دينها كما في الحديث الوارد في السنن.واستجابة لدعاوى التجديد نظم المسلمون مؤتمرات وملتقيات وورش وكتبوا رسائل علمية في هذا الصدد أذكر منها مؤتمر بيروت المعنون “الحضارة الإسلامية بين الأصالة والتجديد”.
ومادمنا نلج عاما جديداً فحري بنا أن نبتدر التجديد على مستوى الأشخاص لترتقي الأمة في مجموعها..فبين ضفتي كتاب ديل كارنيجي “دع القلق وابدأ حياتك”وسفر الشيخ محمد الغزالي “جدد حياتك” يمكن للمرء أن يعيش هانئا في عصر تتصاعد فيه وتيرة القلق والأزمات النفسية الخانقة والخوف من المستقبل وقد أبدع الشيخ الغزالي وهو يقارب بين الأصل والعصر جاعلا من التجديد ثورة وجدانية تعتلي صهوة الأمل والعمل مقدما منهجاً عمليا يعين المرء على التغير الإيجابي في حياته من أجل غد أفضل.
لكن التجديد المؤسسي في الأفكار والخطط والبرامج ومناهج العمل مهم فما تعثرت أوطاننا ولاتنكبت الطريق إلا يوم أن حدنا عن المسار وأوصدنا أبواب التجديد ووضعنا أصابعنا في آذاننا وأغمضنا أعيننا عن أخطائنا وتجارب الآخرين فراراً من تيار الحداثة وخوفا من غزو العولمة.فحصدنا فشلاً في المشروع القطري الوطني وفي إدارة الدولة والتنوع والتنمية المستدامة.
عليه فإن احتفالنا بالعام الجديد ليس أرقاما تتغير بل وقفات للتقييم وتقويم المسيرة فالمسلم يومه أفضل من أمسه ويتطلع لغد أفضل ولكي يكون ذلك كذلك لا بد من أن نراجع ونتراجع نعتبر بما مضى ونتقن ما نعايش ونخطط لما نصبوا إليه فالحياة قصيرة والأحمال ثقيلة والآمال عراض والتجديد هو الكلمة المفاتحية قرينة الأمل وشارة التغيير الجالب للطمأنينة والباعث للرضا فلنجعل من العام الجديد فرصة للتجديد وبلا تسويف أو انتظار قد يطول فقطار العمر يمضي وما أقصرها من رحلة أو كما نظم عبدالله بن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل لحظة وايامنا تطوى وهن قلائل
ولم أرى مثل الموت حقا كأنه إذا ماتخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شاعل
ترحل عن الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهن قلائل
