في دولةٍ ما، لا تُقاس الأعمار بالسنوات، بل بعدد المرات التي قيل فيها للمواطن:
«ملفك تحت الإجراء».
في هذه الدولة، لا تُرفض المعاملات ولا تُقبل، بل تُصاب بحالة غيبوبة إدارية، تُنقل من مكتب إلى مكتب، ومن درج إلى درج، حتى تفقد الذاكرة ولا تعود تعرف صاحبها.
الموظف لا يقول “لا”، لأن كلمة “لا” تحتاج شجاعة، وهو لا يقول “نعم”، لأن كلمة “نعم” تحتاج ضميرًا. فيكتفي بالجملة الوطنية الخالدة:
«أمشي وتعال بكرة».
المواطن هنا لا يبحث عن حقه، بل عن موظف “فاضي”، ولا يطلب خدمة، بل يتمنى مزاجًا جيدًا. أما القانون، فهو موجود فقط ليُستشهد به في الخطب، لا ليُطبّق في المكاتب.
الغريب أن كل شيء في هذه الدولة يمشي بسرعة…
إلا مصالح الناس.
وكل شيء له أولوية…
إلا المواطن.
وهكذا، لا يُسرق الوطن دفعة واحدة، بل يُنهك يومًا بعد يوم، مع كل ملف يوضع جانبًا، ومع كل فرصة تُقتل بحجة أن الدولة…
ما زالت تحت الإجراء.
