في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي، طرح رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس مبادرة حكومية لوقف الحرب وإنهاء النزاع المسلح في السودان، قُدّمت بوصفها تعبيرًا عن “المسؤولية الوطنية” أكثر من كونها نتاجًا لانتصار عسكري، ومحمّلة بخطاب أخلاقي يؤكد السعي إلى استعادة الدولة ووقف نزيف الدم الذي أنهك البلاد. غير أن هذه المبادرة، على ما تحمله من مضامين إنسانية ومقاصد معلنة نبيلة، تثير أسئلة جوهرية تتعلق بمدى واقعيتها السياسية، ومدى انسجامها مع المبادرات الدولية القائمة، وعلى رأسها مبادرة الرباعية وإعلان جدة الموقع في مايو 2023.
تقوم مبادرة كامل إدريس على حزمة من الإجراءات الأمنية والسياسية المتسلسلة، تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار، يعقبه انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، ثم تجميع هذه القوات في معسكرات محددة، يلي ذلك نزع السلاح والدمج والتسريح وفق برامج (DDR)، مع التأكيد على إعمال العدالة والمساءلة عن الجرائم المرتكبة، وصولًا إلى إطلاق حوار سوداني–سوداني يفضي إلى انتقال ديمقراطي وانتخابات عامة. ومن حيث الجوهر، تعكس هذه المبادرة طابعًا دوليًا و أمنيًا واضحًا، إذ تنطلق من فرضية أن ميزان القوة يميل لصالح الدولة، وتتعامل مع قوات الدعم السريع بوصفها طرفًا مهزومًا أو في طريقه إلى الاستسلام، لا كفاعل عسكري وسياسي قائم بذاته يمتلك السيطرة على مساحات واسعة من الأرض.
في المقابل، تنطلق مبادرة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، من مقاربة مختلفة جذريًا لطبيعة النزاع في السودان. فهي تؤكد صراحة عدم وجود حل عسكري، وتشدد على ضرورة وقف الدعم العسكري الخارجي لكافة الأطراف، والدفع نحو هدنة إنسانية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، بالتوازي مع إطلاق عملية انتقالية مدنية مستقلة عن طرفي الحرب. كما تقوم هذه المبادرة على إشراك القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في العملية التفاوضية دون شروط استسلام مسبقة، مع رفض قاطع لهيمنة أي جماعة مسلحة أو أيديولوجية على مستقبل البلاد. وبذلك تندرج مبادرة الرباعية ضمن إطار إدارة النزاع(Conflict Management) لا حسمه، أي السعي لتقليل كلفته الإنسانية وتهيئة شروط تسوية سياسية تدريجية، بدل محاولة فرض نهاية قسرية للصراع في ظل موازين قوة معقدة ومتحركة.
أما إعلان جدة الموقع في 11 مايو 2023، فقد جرى في كثير من الأحيان توظيفه سياسيًا خارج سياقه الحقيقي. فالإعلان، في طبيعته القانونية، ليس اتفاق سلام، بل إعلان مبادئ إنسانية عنوانه المركزي حماية المدنيين. وهو لم ينص على وقف لإطلاق النار، ولا على انسحاب قوات أو إعادة انتشار، كما خلا تمامًا من أي آلية رقابة أو تنفيذ. بل نص صراحة على التزام الطرفين بالبقاء في مواقعهم وقت التوقيع، وأكد أن الالتزام بمضامينه لا يؤثر على الوضع القانوني أو السياسي أو العسكري لأي طرف، مكتفيًا بالدعوة إلى إعطاء الأولوية مستقبلًا لمناقشة وقف إطلاق النار. وعليه، فإن إعلان جدة يمثل إطارًا قانونيًا–إنسانيًا بحتًا، لا خارطة طريق سياسية أو أمنية، رغم ما لحق به من تأويلات لاحقة.
ورغم وجود تقاطعات عامة بين مبادرة كامل إدريس ومبادرة الرباعية وإعلان جدة، مثل التأكيد على حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، ورفض الحل العسكري الصرف على المستوى الخطابي، والإشارة النظرية إلى مرجعية جدة، فإن نقاط التعارض الجوهرية تظل أعمق وأكثر تأثيرًا. فمبادرة كامل إدريس تنظر إلى النزاع بوصفه تمردًا يجب إنهاؤه، بينما تتعامل الرباعية معه كصراع مسلح بين طرفين. وتشترط المبادرة الحكومية وقف إطلاق النار بانسحاب الدعم السريع ونزع سلاحه، في حين تدعو الرباعية إلى وقف غير مشروط. كما تجعل مبادرة إدريس العملية السياسية لاحقة للترتيبات الأمنية، بينما ترى الرباعية أن المسارين الأمني والسياسي يجب أن يسيرا بالتوازي. والأهم من ذلك، أن المبادرة الحكومية تفترض تفوق الدولة عسكريًا، في حين تعترف الرباعية بواقع السيطرة الميدانية القائمة.
في ضوء ذلك، تبدو فرص نجاح مبادرة كامل إدريس محدودة للغاية من منظور واقعي. فهي تطرح شروطًا قصوى تتمثل في الانسحاب والتجميع ونزع السلاح، دون تقديم ضمانات سياسية مقابلة، وتتجاهل حقيقة أن قوات الدعم السريع تسيطر فعليًا على مساحات واسعة في دارفور وكردفان وأطراف الوسط. كما تعاني المبادرة من غياب واضح للحوافز والتنازلات، إذ لا تتضمن أي التزام بإعادة هيكلة الجيش، ولا تفكيك مليشيات الإسلاميين، ولا تسليم المطلوبين للعدالة الجنائية الدولية. يضاف إلى ذلك ضعف القبول الدولي، حيث يميل المجتمع الدولي بوضوح إلى مقاربة الرباعية، لا إلى الطرح الحكومي المتشدد.
وبناءً على هذه المعطيات، يصعب تصور تجاوب قوات الدعم السريع مع المبادرة بصيغتها الحالية. فالمبادرة تطلب استسلامًا سياسيًا وعسكريًا كاملًا، ولا تعترف بالدعم السريع كفاعل تفاوضي، ولا تقدم له أي ضمانات مشاركة مستقبلية، بل تتجاوز في شروطها حتى ما قُدّم لحركات مسلحة أقل نفوذًا، كما في اتفاق جوبا. وإذا كانت حركات مثل تلك التي يقودها مناوي وجبريل وًعقار ، رغم محدودية سيطرتها، لم تُجبر على نزع السلاح فورًا، فكيف يُطلب ذلك من قوة تسيطر على ما يقارب نصف البلاد؟
وتزداد الإشكالات السياسية تعقيدًا مع تغييب دولة الإمارات من الإشادة التي قدّمها رئيس الوزراء للمبادرات الدولية، إذ اقتصر ذكره على الولايات المتحدة والسعودية ومصر. هذا الغياب يبعث برسائل سياسية محتملة، من بينها تحميل ضمني للإمارات مسؤولية دعم الدعم السريع، أو محاولة اصطفاف إقليمي مع محور الرياض–القاهرة–واشنطن، وهو ما من شأنه إضعاف وحدة المبادرة الرباعية القائمة أصلًا على التماسك لا الإقصاء، وفتح الباب أمام أدوار موازنة خارج هذا الإطار.
أما التشدد الحكومي في طرح المبادرة، فيبدو أنه لا يرتبط بعوامل خارجية بقدر ما يعكس اعتبارات داخلية معقّدة، تتصل بطبيعة التوازنات داخل بنية السلطة نفسها. اذ أن واشنطون و الرياض والقاهرة تؤيدان وقف القتال دون شروط مسبقة، وتدعمان مبادرة الرباعية، ولم تعلنا يومًا تأييد طرح يقوم على “الاستسلام الكامل”. يجد هذا التشدد تفسيره الأرجح في الضغوط التي يمارسها التيار العسكري–الإسلامي، وفي حسابات تتعلق بشرعية السلطة القائمة في بورتسودان، إضافة إلى خشية واضحة من أي مسار مدني مستقل قد يفضي إلى إعادة توزيع السلطة أو تقليص نفوذ الفاعلين العسكريين في مرحلة ما بعد الحرب.
في المحصلة، يمكن القول إن مبادرة كامل إدريس تمثل خطابًا أخلاقيًا قويًا، لكنها تظل برنامجًا تفاوضيًا ضعيفًا، إذ تتعارض عمليًا مع روح مبادرة الرباعية ونص ومقاصد إعلان جدة. ولا تملك هذه المبادرة فرص نجاح حقيقية ما لم تُخفف شروطها المسبقة، وتُبنى على تنازلات متبادلة، ويُربط المسار الأمني بالمسار السياسي بدل الفصل بينهما. فالكرة اليوم في ملعب الحكومة السودانية، لا في ملعب المجتمع الدولي. وهذه المبادرة، بصيغتها الحالية، تصلح كوثيقة موقف سياسي أمام مجلس الأمن، لكنها لا تصلح كأساس لتسوية تفاوضية شاملة. فالسلام لا يُصنع بخطاب النوايا وحده، بل بتوازن دقيق بين الممكن والمطلوب.
