الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتلماذا يعجز أبناء "السودان" عن نهضته؟( 2_2 ) ...

لماذا يعجز أبناء “السودان” عن نهضته؟( 2_2 ) د. إسماعيل الحكيم يكتب…


مواصلة لما كتبته بالأمس.. ها هنا.. وإستكمالاً لموضوع إعادة بناء السودان، إذ لم يكن السودان يومًا فقيرًا في العقول، ولا عقيمًا في المواهب، لكنه ـ عبر عقود طويلة ـ كان كريمًا حدَّ التفريط، يصدّر أبناءه إلى العالم، فيبنون لغيرهم ما عجز الوطن عن احتضانه. أطباء ومهندسون، مفكرون وخبراء، إداريون ومبدعون، شادوا مؤسسات، وأقاموا دولًا، وأسهموا في نهضاتٍ غير نهضتهم، بينما ظل وطنهم يترنّح تحت وطأة الإهمال، وسوء الإدارة، ثم جاءت الحرب لتكشف عمق الجرح واتساع الفجوة.
اليوم، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها أو كادت، يقف السودان عند مفترق تاريخي لا يحتمل التردد ولا التلكؤ.. إما أن نعيد بناء الدولة بعقول أبنائها، أو نعيد إنتاج الفشل بوجوه جديدة.
وجمع العقول وإجتماعها لا يتم بالشعارات، بل بمشروع وطني واضح المعالم، يعترف بأن الكفاءات المهاجرة ليست زينةً خطابية، بل ركيزة وجود. وهذا في ظني يتطلب :

  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات السودانية في الداخل والخارج، تُدار بمهنية، لا بولاءات. مع فتح قنوات رسمية ومؤسسية للتواصل مع العقول المهاجرة، لا عبر المبادرات الفردية الموسمية.
  • تقديم عقود شراكة وطنية لا مجرد وظائف: والمشاركة في القرار، وفي التخطيط، وفي الرقابة. وكذلك ضمان بيئة عمل آمنة، تحكمها القوانين، وتُصان فيها الكرامة المهنية، ويُكافأ فيها الإنجاز.
    فالعقول لا تعود إلى وطنٍ يستهلكها، بل إلى وطنٍ يحترمها.
    وهذا يتطلب مسؤوليات ،
    فعلى رأس الدولة أن يدرك أن إعادة بناء السودان ليست قضية ثانوية فرعية و ملفًا إدارياً عادياً ، بل قضية وجود. والمطلوب من رئيس ومجلس السيادة الآتي :
  • إعلان مشروع وطني جامع لإعادة الإعمار والنهضة، برؤية محددة وجدول زمني معلن.
    مع توفير الضمانات السياسية والدستورية لعدم تكرار الانقلابات، وقطع الطريق أمام الفوضى.
  • رعاية مشروع استقطاب الكفاءات بوصفه أولوية سيادية، لا ملفًا ثانويًا.
    وذلك لحماية استقلال المؤسسات، وترسيخ دولة القانون، لأن العقول لا تعمل تحت الخوف. فالسيادة الحقيقية ليست في السلاح، بل في حكمٍ رشيد يحمي المستقبل.
    أما المطلوب من رئيس وأعضاء مجلس الوزراء ، أن
    الحكومة القادمة مطالبة بالانتقال من إدارة الأزمة إلى هندسة الدولة، وذلك عبر:
  • بناء حكومة كفاءات حقيقية، لا محاصصات سياسية.
  • إشراك الخبرات السودانية العالمية في صياغة السياسات الاقتصادية، والتعليمية، والصحية.
  • تحديث الجهاز الإداري للدولة، واعتماد الحوكمة الرقمية، والشفافية، والمساءلة.
    وتوجيه الموارد نحو الإنسان: التعليم، الصحة، التدريب، وإيقاف الصرف الاستهلاكي.
    وإن الحكومة التي لا تستثمر في الإنسان، تحكم على الدولة بالبقاء في الهشاشة.
    وأما المطلوب من هذا الشعب الممتد بامتداد النيل والصحارى.. إن هذا
    الشعب السوداني ـ بكل تنوعه وامتداده ـ ليس متلقيًا للنهضة، بل شريكًا في صناعتها. والمطلوب منه:
  • تجاوز الجراح، ورفض خطاب الكراهية، وبناء وعي جديد يقوم على المواطنة لا الهوية.
  • حماية السلام الاجتماعي، لأن التنمية لا تنمو في بيئة النزاعات.
  • مراقبة الأداء العام، والمطالبة بالحقوق دون تخريب أو فوضى.
  • الإيمان بأن السودان لا يُبنى بالانتظار، بل بالمشاركة.
    هذا الشعب، الذي صبر طويلًا، يستحق دولة تليق بتضحياته.
    وبالمقابل فما هي حقوق القادة والمفكرين والعقول العائدة؟
    فمن الظلم أن نطلب من العقول أن تعود دون أن نضمن حقوقها. وأبسط هذه الحقوق:
  • الاستقلالية المهنية، وحرية الرأي، والحماية القانونية.
  • الأجر العادل، والتقدير المعنوي، وعدم الإقصاء أو التشكيك.
  • المشاركة في صنع القرار، لا الاكتفاء بدور استشاري شكلي.
  • بيئة تحترم الزمن، وتحاسب الفشل، وتكافئ النجاح.
    فالعقل المهان يغادر، والعقل المُقدَّر يبني وطنًا.
    والسؤال الأهم.. كيف نحقق الهدف السامي: وهو إعادة بناء السودان؟
    إعادة بناء السودان ما كانت ولن تكن إعادة تشييد حجر فقط، بل إعادة بناء إنسان في دولة تقوم على :
  • الحداثة والمواكبة لا على استنساخ الماضي.
  • تُرسخ المواطنة والعدل لا الامتيازات والاصطفاف.
  • توفر سبل العيش الكريم، وتكفل الحقوق، وتفتح آفاق الأمل.
  • تحوّل الضعف إلى قوة، والتفكك إلى وحدة، والنزاعات إلى سلام.
    سودانٌ جديد، لا يُدار بردود الأفعال، بل برؤية، ولا يُحكم بالأزمات، بل بالمؤسسات.
    سيدي البرهان…
    إن نهضة السودان لن تأتي من الخارج، ولن تُفرض بالوصاية، بل ستولد من عودة الوعي إلى الداخل، وعودة العقول إلى الوطن.
    وحين نؤمن بأن الإنسان هو الثروة، وبأن العدالة هي الأساس، وبأن الوحدة خيار لا شعار، عندها فقط…
    سيقف السودان من جديد، لا متكئًا على ماضيه، بل منطلقًا نحو مستقبل يليق باسمه وتاريخه.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات