الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتالبيان المصري بشأن زيارة الفريق عبد الفتاح البرهان: حين يتقاطع الامن القومي...

البيان المصري بشأن زيارة الفريق عبد الفتاح البرهان: حين يتقاطع الامن القومي مع الحياد الدبلوماسي بقلم/ مهدي داود الخليفة

جاء البيان الصحفي الصادر عن جمهورية مصر العربية بمناسبة زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل حرب مدمرة يشهدها السودان، وانسداد سياسي إقليمي ودولي، وتفاقم غير مسبوق في الأزمة الإنسانية. وبالنظر إلى ثقل مصر الإقليمي، وارتباطها التاريخي والسياسي والأمني بالسودان، فإن أي موقف معلن من القاهرة لا يمكن قراءته بوصفه موقفًا بروتوكوليًا محضًا، بل باعتباره وثيقة سياسية ذات أثر مباشر على مسار الصراع، وعلى فرص السلام ووحدة الدولة السودانية

إنّ إشارة البيان في مقدمته إلى دعم «رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في السودان» تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية ومشروعة حول ماهية هذه الرؤية، وحدودها السياسية، والسياق الذي جرى استدعاؤها فيه في هذا التوقيت الدقيق.

فالخبرة المتراكمة لتجربة الرئيس ترامب في إدارة النزاعات الدولية تشير إلى نهجٍ يقوم أساسًا على الحلول السريعة والصفقات السياسية المباشرة، مع تفضيل الترتيبات الثنائية على حساب الأطر متعددة الأطراف، وإضعاف دور المؤسسات الدولية، إلى جانب تهميش القوى المدنية الفاعلة ومكونات المجتمع السياسي غير المسلحة. وغالبًا ما تنتهي هذه المقاربة إلى ترتيبات تقاسم سلطة بين أطراف النزاع المسلح، بوصفها “حلًا عمليًا” قصير الأمد، دون معالجة الأسباب البنيوية العميقة للصراع.

وفي هذا السياق، كان يجدر بالبيان — إن أراد تعزيز مصداقيته السياسية — الإشارة إلى مبادرة الرباعية، بوصفها أحد المسارات الإقليمية–الدولية التي تحظى بقبول نسبي من طرفي النزاع، إلى جانب قطاعات واسعة من القوى السياسية والمدنية السودانية، وتقوم على مقاربة أكثر توازنًا، تستند إلى الشراكة الدولية، وإلى أولوية وقف الحرب وفتح مسار سياسي شامل، لا إلى منطق الصفقات الثنائية.

وفي السياق السوداني، تكتسب مقاربة “الصفقات السريعة” خطورة مضاعفة، إذ إن أي مسار سلام يُبنى على منطق تقاسم النفوذ بين طرفي الحرب، دون مركزية الدور المدني، ودون مساءلة عن الجرائم والانتهاكات، لن يؤدي إلى سلام مستدام، بل سيُعيد إنتاج الأزمة في صيغة جديدة، ويؤسس لاستقرار هش يقوم على موازين القوة، لا على أسس العدالة والتحول الديمقراطي.

ومن ثم، فإن استدعاء “رؤية ترامب” دون توضيح محدد لمضامينها، أو دون ضمانات لانحيازها إلى مسار مدني ديمقراطي شامل، يثير مخاوف حقيقية من أن يكون المقصود هو إدارة الصراع لا حلّه، وتكريس واقع سياسي يقوم على تقاسم السلطة بين السلاح والسلاح، لا بين الدولة والمجتمع.

أدان البيان ما وصفه المذابح المروعة والانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان، خاصة في الفاشر. ورغم أهمية الإدانة من حيث المبدأ، إلا أن غياب التحديد الصريح للجناة — وهم معروفون — والتركيز الجغرافي الانتقائي، يضعفان من القيمة الأخلاقية والقانونية لهذا الموقف.

فالحرب في السودان شهدت انتهاكات جسيمة وموثقة من جميع أطراف النزاع، بما في ذلك القصف الجوي العشوائي، والاستهداف المتكرر للأحياء السكنية، والانتهاكات ضد المدنيين في الخرطوم ودارفور وكردفان و الجزيرة، وعليه، فإن أي إدانة لا تشمل جميع الأطراف، وبمعايير واحدة، تُقرأ سياسيًا بوصفها إدانة انتقائية، لا موقفًا عدليا متسقًا.

يُعد إدراج مفهوم «الخطوط الحمراء» المرتبطة بالأمن القومي المصري أحد أخطر عناصر البيان. فربط تطورات الصراع السوداني مباشرة بالأمن القومي لدولة مجاورة، دون تفويض سوداني جامع أو إطار إقليمي متوافق عليه، ينقل الأزمة من مربع الوساطة إلى المربع الامني.

صحيح أن لمصر مصالح أمنية مشروعة، لكن تحويل هذه المصالح إلى محدد حاكم للموقف السياسي تجاه صراع داخلي معقّد، قد يُفهم باعتباره تقليصًا للسيادة السودانية، وتقديمًا لأولويات الاستقرار الإقليمي على حساب العدالة السياسية والتحول الديمقراطي.

يشدد البيان على رفض أي كيانات موازية، باعتبارها تهديدًا لوحدة السودان. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن النزاعات الأهلية غالبًا ما تُفرز أطرًا سياسية انتقالية أو تفاوضية خارج البنى الرسمية، ليس بهدف التقسيم، بل كوسائل ضغط للوصول إلى تسوية شاملة.

إن الدفاع غير المشروط عن “مؤسسات الدولة” دون مساءلة عن دور هذه المؤسسات في تفجير الصراع أو إدارته، قد يُفسَّر كدعم لطرف بعينه، لا كحرص مبدئي على وحدة الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا جامعًا بين أبنائها.

يثير إيراد اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان تساؤلات قانونية وسياسية عميقة. فهذه الاتفاقية وُقّعت في سياق تاريخي مختلف، وتم إلغاؤها عمليًا خلال الفترة الديمقراطية الثالثة في 1 أبريل 1989، ولم يُعلن عن إعادة تفعيلها أو التصديق عليها من برلمان سوداني منتخب.

والأخطر من ذلك هو توظيف مفهوم «الدفاع المشترك» في سياق حرب أهلية، وهو ما يتعارض مع جوهر هذا النوع من الاتفاقيات، التي تُفعَّل لمواجهة عدوان خارجي، لا للتدخل في نزاع داخلي بين مكونات الشعب الواحد. إن هذا التلويح يُقرأ كرسالة ردع سياسية وعسكرية، لا كإطار قانوني سليم.

من خلال مجمل مضامين البيان، يتضح أن مصر تقترب من موقع «الداعم لمؤسسات الدولة القائمة» أكثر من موقع «الوسيط المحايد». هذا التموضع، وإن كان مفهومًا من زاوية المصالح الأمنية، إلا أنه يحمل مخاطر استراتيجية، أبرزها:

فقدان الثقة لدى قطاعات مؤثرة من القوى المدنية السودانية؛
والمساهمة، ولو ضمنيًا، في إطالة أمد الصراع.

كما كان من المفترض أن يُولي البيان تركيزًا أوضح على ضرورة قيام سلطة مدنية انتقالية تتولى إدارة البلاد، بوصفها المدخل الحقيقي للاستقرار، بدل الاكتفاء بخطاب حماية المؤسسات بمعزل عن طبيعة السلطة التي تُديرها.

إن البيان المصري، رغم ما يحمله من حرص معلن على وحدة السودان واستقراره — وهو حرص نُشاركه فيه — يعكس مقاربة يغلب عليها الهاجس الأمني، وتفتقر إلى التوازن العدلي والسياسي المطلوب في إدارة نزاع داخلي بالغ التعقيد. فالسلام المستدام في السودان لن يتحقق عبر حماية المؤسسات بمعزل عن مساءلتها، ولا عبر دعم طرف على حساب آخر، بل عبر عملية سياسية شاملة تُعيد الاعتبار للمدنيين، وتُخضع السلاح للسلطة السياسية، وتضع العدالة في صميم أي تسوية.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام مصر، بوصفها دولة مركزية في الإقليم، هو الانتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق المساهمة في “حلّها”، بما يحفظ أمنها القومي، دون أن يكون ذلك على حساب حق السودانيين في دولة مدنية عادلة ومستقرة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات