حملت زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق اول عبد الفتاح البرهان الى جمهورية مصر العربية دلالات سياسية وامنية عميقة تجاوزت اطار البروتوكول المعتاد الى مستوى الرسائل الاستراتيجية الواضحة داخليا واقليميا ودوليا. فقد جاء الاستقبال الذي اعده الرئيس عبد الفتاح السيسي استقبالا مهيبا يعكس حجم الرهان المصري على الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية وفي مقدمتها القوات المسلحة.
اللافت في الزيارة لم يكن فقط مشهد الاستقبال ولكن التصريحات القوية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية والتي اكدت بوضوح ان وحدة الاراضي السودانية وشرعية مؤسسات الدولة خط احمر وان مصر ستقوم بما يتوافق مع القانون الدولي وما تتيحه لها اتفاقية الدفاع المشترك لحماية هذه الخطوط الحمراء. وهو موقف غير مسبوق من حيث الصياغة والوضوح والانتقال من الدعم السياسي الى التلويح الصريح بالتدخل المباشر اذا استدعى الامر.
وهنا يبرز السؤال الجوهري
لماذا الان؟ ولماذا بكل هذا الوضوح؟
خلال السنوات الثلاث الماضية تعرض السودان لتفكك فعلي وسقطت غالب واهم مؤسسات الدولة بما فيها فرق عسكرية كاملة على يد المليشيا. حدث ذلك في الخرطوم ومدني وسنار وغالب مناطق غرب السودان دون ان يصدر عن مصر ما يشبه هذا التصريح الحاسم رغم علمها الكامل بما يجري. ورغم ذلك لم تتوقف القاهرة يوما عن دعم السودان علانية وسرا سياسيا وعسكريا وانسانيا.
غير ان الموقف المصري اليوم يتجاوز مرحلة الدعم التقليدي الى مرحلة اعلان الاستعداد للتدخل المباشر ان دعا الداعي. وهذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الاقليمية الاخيرة.
السبب المباشر لهذا الموقف كما يبدو يتمثل في دخول قوات من جيش جنوب السودان الى منطقة هجليج. هذه الخطوة دقت ناقوس خطر حقيقي بالنسبة لمصر لانها تعني انتقال الازمة السودانية من صراع داخلي الى ساحة مفتوحة لتدخل الجيوش الاقليمية. وفي حال عدم وضع خطوط حمراء واضحة اليوم فان الغد قد يشهد وجود قوات صريحة من دول اخرى مثل اثيوبيا وليبيا وتشاد على الاراضي السودانية.
من وجهة نظر مصر فان سيناريو تفكيك السودان او تشليعه لا يمثل تهديدا للسودان وحده بل خطرا مباشرا على الامن القومي المصري. السودان هو العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر وسقوطه كدولة موحدة يعني انتقال الفوضى والمليشيات والتدخلات الاجنبية الى تخوم الحدود المصرية.
لذلك يمكن القول ان القاهرة ادركت ان لحظة الصمت الاستراتيجي انتهت وان المعركة لم تعد معركة السودان وحده بل معركة استقرار اقليمي شامل. ومن هنا جاء التصريح المصري الواضح بأن وحدة السودان ومؤسساته ليست محل مساومة وان كل الخيارات التي يتيحها القانون الدولي واتفاق الدفاع المشترك باتت مطروحة.
زيارة البرهان الى مصر في هذا التوقيت تعكس قناعة مشتركة بين القيادتين ان الحفاظ على الدولة السودانية وجيشها هو المدخل الوحيد لوقف الانهيار ومنع تحويل السودان الى ساحة صراع اقليمي مفتوح. وهي رسالة موجهة للمليشيا ومن يقف خلفها بان اللعب بورقة التقسيم وتدويل الصراع بلغ حدوده القصوى.
في المحصلة ان ما وراء الموقف المصري اليوم هو استشعار خطر حقيقي ومباشر وليس تضامن سياسي. مصر تتحرك لحماية السودان لان سقوطه الكامل يعني ان النار ستصل حتما الى حدودها. ولذلك جاء هذا الموقف الحاسم كاعلان ان الانتظار انتهى وقته وان الخطوط الحمراء قد رسمت بوضوح.
