لم تعد حرب السودان مجرد مواجهة عسكرية عابرة،ولا صراعاً بين أطراف متنازعة على السلطة،بل هي حرب فُرضت على الدولة السودانية في مواجهة مباشرة بين القوات المسلحة السودانية بوصفها المؤسسة الشرعية الحامية لوحدة البلاد،وبين قوات منشقة ومتمردة عن المؤسسة العسكرية،تتلقى دعماً
مباشراً وغير مباشر من جهات خارجية،مكنها من تجاوز كونها تمرداً محدوداً إلى واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
فالإحصاءات مهما بلغت دقتها تعجز عن نقل صورة الجحيم الذي عاشه المدنيون،أولئك الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج معادلة الحياة،بلا حماية وبلا قانون ،وبلا كرامة.
لقد شكلت هذه الحرب محنة جماعية طالت المجتمع بأسره،وأعادت إلى الواجهة سؤلاً جوهرياً: هل ما تزال الكرامة الإنسانية قيمة حقيقية أم أنها مجرد شعار يتردد في البيانات الدولية دون أثر فعلي على الأرض.
فما يجري على الارض يؤكد أن الصراع لم يعد يدور حول إدارة السلطة أو شكل الحكم، بل حول إعادة تشكيل المجتمع ذاته عبر الإستهداف الممنهج للمدنيين وتهجير السكان الأصليين وإسكات صوت القانون وتغييب اخلاقيات الحرب.
قلبت الحرب في السودان الطاولة على كل التوقعات ،فلم تضع أوزارها سريعاً كما ظن البعض ،بل تمددت رقعتها الجغرافية،
واتسعت دائرة المعارك ،واصبحت اكثر تعقيداًوتشابكاً،
ومع هذا التمدد بات واضحاً ان المعركة ليست عسكرية فحسب ،بل فكرية ايضاً،إذ يتوجب خوض صراع موازٍ في مجال الافكار والروايات،لكشف طبيعة ما يجري وفضح
أهدافه الحقيقية.يُعد التغيير الديمغرافي أحد أخطر أبعاد هذه الحرب، فالإستهداف الممنهج للمدنيين ،
وعمليات التهجير القسري،وحرق القرى وتدمير سبل العيش ،ليست نتائج جانبية للصراع ،بل أدوات أساسية
تستخدم لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين وإعادة تشكيل الخريطة السكانية بالقوة.
وقد رافق ذلك ممارسات ترقى إلى التطهير العرقي،حيث استهدفت
جماعات بعينها على أساس العرق أو الانتماء القبلي،في سياق تركيبة اجتماعية معقدة تضم قبائل عربية وأخرى إفريقية ،استغلت فيها الهويات لتأجيج الصراع وتحويله إلى حرب وجود لا حرب مصالح.
ولم يكن العنف الجنسي ضد النساء حادثاً عرضياً بل استخدم كوسيلة حرب تهدف إلى كسر النسيج الاجتماعي ،
وإذلال المجتمعات ،
ودفعها إلى النزوح القسري ،
فالإعتداء على النساء في سياق النزاعات ليس جريمة
فردية فحسب ،بل رسالة جماعية مفادها أن البقاء في هذه الارض
أصبح مستحيلاً.
تشبه حرب السودان الحرباء في قدرتها على تغيير ألوانها وأشكالها تبعاً للظروف ،فهي تارة تظهر كصراع سياسي ،وتارة كحرب قبلية ،واحيانا كمعركة أمنية ،بينما تخفي في جوهرها مشروعاً طويل الامد لاعادة هندسة المجتمع السوداني عبر التفكيك،
والاقصاء، والتقسيم الديمغرافي.
إن مايجري في السودان ليس مجرد حرب عابرة،بل تهديد وجودي لوحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي ،
فالتغيير الديمغرافي القسري وتهجير السكان
الأصليين يفتحان الباب أمام صراعات مستقبلية لا تقل دموية،ومن هنا فإن مواجهة هذه الحرب لا تتطلب وقف إطلاق النار فحسب،بل تستلزم الاعتراف بجذور الأزمة ،ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وإعادة الاعتبار للإنسان السوداني بوصفه الغاية لا الضحية.
18/ديسمبر/2025.
