الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتالجنيه السوداني تحت القصف قراءة واقعية في جذور التضخم وآثاره وملامح الطريق...

الجنيه السوداني تحت القصف قراءة واقعية في جذور التضخم وآثاره وملامح الطريق المقبل بقلم/ د. لؤي عبد المنعم “الخبير المصرفي”

يمر السودان بفترة عصيبة في تاريخه نسبة لظروف الحرب المتطاولة التي فرضت عليه، والمدعومة من اطراف خارجية لها أجندة استعمارية، تركت آثارها المباشرة على الاقتصاد في شكل موجات من التضخم المتتابعة، والانهيار الحاد في سعر صرف الجنيه، والانكماش الإنتاجي العميق، والتي أدت جميعها إلى تفكك المنظومة الاقتصادية وتآكل القوة الشرائية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة.
وتكشف تقارير الجهاز المركزي للإحصاء المصرح بها أن معدل التضخم السنوي بلغ 83.47% في سبتمبر 2025م قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 77.40% في أكتوبر ، تراجع يعكس تحسنا ملحوظا في ظل الاصلاحات الاقتصادية المعلنة، رغم انهيار الطلب وضعف القدرة الشرائية.

وتزامن ذلك مع قفزات حادة في سعر الصرف، وبلوغ الدولار في السوق الموازي 3665 جنيها للشراء–3750 جنيها للبيع مقابل أسعار رسمية أقل بنحو 30% في المتوسط، ما يعكس ان أزمة الجهاز النقدي لا تزال تراوح مكانها (رغم الجهود المبذولة) وابتعاد السوق الرسمية عن الواقعية التجارية.

في هذا السياق، تبرز الأسئلة الملحةالتالية:
ما الذي قاد إلى هذا الانفلات السعري؟ وما حجم الضرر الحقيقي على معيشة المواطن؟ وهل لبرامج التمويل الدولي المعلنة أثر قادر على تغيير المسار؟
وهل توجد حلول بالاعتماد على اهم مواردنا المحلية؟
تلك هي الأسئلة الرئيسية التي يتناولها هذا المقال التحليلي.

أولا: جذور الارتفاع الجنوني في الأسعار خلال العامين الماضيين

تكشف مؤشرات التقارير الاقتصادية والمالية الصادرة عن بنك السودان وبيانات سعر الصرف اليومية أن موجة التضخم الراهنة ليست عابرة، بل هي نتاج تراكمات عميقة يمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية:

1. التوسع النقدي وتمويل العجز

تشير بيانات العرض النقدي إلى تضاعف الكتلة النقدية عدة مرات خلال العامين الأخيرين لتمويل الإنفاق العام، في ظل انكماش الإيرادات بسبب الحرب، وهو ما قاد إلى تضخم مفرط مع غياب الإنتاج الموازي له.

2. الانهيار الكبير في سعر الصرف

أظهرت بيانات المصارف السودانية أن الدولار تجاوز 2,550 جنيهاً في البنوك، بينما بلغ في السوق الموازي 3665 جنيها. الفجوة بين السعرين (والتي بلغت أكثر من 30%) تعني ضعف الانضباط النقدي وتفكك آليات السوق، إذ يعتمد المستوردون على السعر الموازي لندرة النقد الأجنبي.

ومادامت معظم السلع المستهلكة في السودان مستوردة جزئيا أو كليا، فإن كل ارتفاع في الدولار يتحول فورا إلى زيادة في الأسعار.

3. تراجع الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد بنسبة كبيرة

أوضحت تقارير بنك السودان للنصف الأول من عام 2025 انخفاض الصادرات وتدهور الإنتاج الزراعي والصناعي نتيجة الحرب، ما أدى إلى عجز تجاري يتجاوز 1.2 مليار دولار (حيث سجلت الصادرات حوالي 1.35 مليار دولار في الفترة من يناير حتى يونيو 2025، بينما الواردات وصلت إلى حوالي 2.54 – 2.64 مليار دولار في نفس الفترة). ومع شح السلع المحلية، أصبح السوق أكثر اعتمادا على الواردات، وبالتالي أكثر حساسية لتقلبات سعر الصرف.

4. تراجع الثقة في ثبات قيمة العملة

عندما يفقد المواطن ثقته في ثبات الجنيه، تتجه السيولة إلى الدولار والذهب، فيتراجع الادخار المحلي ويزداد الطلب على العملات الأجنبية، ما يعمق الانهيار ويغذي دوامة (التضخم – الصرف).

ثانيا: القوة الشرائية للمواطن… إلى أي مدى تدهورت؟

تظهر الأرقام أن المواطن السوداني فقد بين 70% و90% من قوته الشرائية خلال العامين الماضيين.
هذا التقدير يستند إلى ثلاثة عوامل مترابطة:

1. التضخم السنوي الذي تجاوز 80% في معظم الأشهر قبل ان ينخفض بشكل طفيف في سبتمبر 2025.

2. ارتفاع الدولار في السوق الموازي بنسبة تفوق 500% خلال عامين (من 560 إلى أكثر من 3,700 جنيه.

3. جمود الرواتب في القطاعين العام والخاص رغم الزيادات المستمرة في الأسعار.

وعليه، باتت الأجور الشهرية (خصوصا الحكومية) تغطي أياما معدودة من الإنفاق الأساسي فقط، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والنقل والتعليم بصورة غير قابلة للمجاراة.

ثالثا: الرواتب… هل أصبحت بلا قيمة؟

بحسب ما هو منشور في صحيفة سودان تربيون نقلا عن تقرير للجهاز المركزي للاحصاء فان معدل ارتفاع أسعار مجموعة التعليم ضمن مؤشر التضخم السنوي في سبتمبر 2025 بلغت 46.69% مقارنة بنفس الشهر من 2024% في بعض الولايات. ومن خلال المعايشة فأن تكاليف الصحة، والوقود، والنقل شهدت زيادات حادة.
وفي المقابل لم ترتفع الرواتب بما يتناسب مع هذه الزيادات، بل بقيت جامدة في معظم القطاعات.

بالمقارنة بين متوسط الأجر الشهري وسلة الاستهلاك الأساسية، يمكن الجزم علميا بأن الراتب فقد وظيفته كأداة لتغطية تكاليف المعيشة، وأصبح التكيف الاقتصادي يعتمد على التحويلات والدعم العائلي والأعمال غير الرسمية، فضلا عن خفض الاستهلاك إلى مستويات دنيا.

بهذا المعنى، ليست الرواتب مجرد منخفضة… بل أصبحت غير ذات معنى اقتصادي فعلي في ظل الأسعار الحالية.

رابعا: ما السلع والخدمات التي قفزت أسعارها بشكل غير مسبوق؟

من خلال مراجعة تقارير الأسعار لشهر سبتمبر وأكتوبر 2025، يتضح أن أكثر السلع والخدمات ارتفاعا هي:

  1. خدمات التعليم:
    سجلت تكاليف التعليم أعلى نسبة تضخم (46.69%) بسبب ارتفاع رسوم المدارس، والكتب، والزي، وتكاليف التشغيل.
  2. السلع الغذائية:
    ارتفعت أسعار الزيوت والحبوب واللحوم والسكر ومنتجات الألبان والبيض نتيجة تراكم عوامل: الشح + النقل + الدولار.
  3. الخدمات الصحية:
    الدواء والمستلزمات الطبية تعتمد على الاستيراد، ما جعلها ترتفع بوتيرة أسرع من باقي السلع.
  4. السكن والطاقة:
    ارتفاع تكاليف الإيجارات بسبب التضخم والمزايدة لاستغلال الظرف، والغاز بسبب شح الانتاج.
  5. النقل:
    مع ارتفاع الوقود وقطع الغيار (المستوردة أساسا) قفزت تكلفة النقل داخل المدن وبين الولايات بشكل غير مسبوق

خامسا: إلى أين يتجه التضخم في الشهور القادمة؟
يمكن استشراف المسار التضخمي عبر دمج أربعة مؤشرات:
١- سعر الصرف الموازي المرتفع الذي وصل الى (3665 ج)

٢- ضعف الإنتاج

٣- جمود الرواتب

٤- التمويل الدولي الجديد

التوقع الأكثر ترجيحا (خلال 3 أشهر): ارتفاع جديد في التضخم ما لم يتم تنفيذ المعالجات الضرورية المقترحة.

السبب الرئيس هو أن ارتفاع الدولار الأخير ينتج ما يعرف بـ التضخم المستورد، إذ ترتفع كلفة كل سلعة أجنبية أو مرتبطة بالاستيراد.

هل يغير التمويل الدولي الصورة؟

حصل السودان في 2025م على تمويلات مؤكدة تتجاوز:

137.98 مليون دولار من بنك التنمية الأفريقي

182 مليون دولار من البنك الدولي

50.3 مليون دولار من UNFPA
بإجمالي 370 مليون دولار حتى نهاية 2025م.

لكن هذه التمويلات مشروطة وموجهة لمشاريع محددة (صحة، تعليم، كهرباء، ماء، سبل كسب العيش) أي أنها لا تدخل مباشرة في الاحتياطي النقدي، ولا تستخدم لدعم الجنيه أو تمويل الواردات التجارية.

وبالتالي فإن أثرها على التضخم وسعر الصرف غير مباشر ومحدود على المدى القصير، لكنها مهمة على المدى المتوسط لأنها:

١- تدعم الخدمات الأساسية

٢- تخفف الضغط على ميزانية الدولة

٣- تحسن ثقة المانحين والأسواق

غير أن السوق (في لحظته الراهنة) يتحرك بناء على الدولار المتاح للتجار، وليس على المنح الموجهة للمشاريع

من خلال ما تقدم يتضح ان السودان يعيش حالة ركود تضخمي حاد ( انكماش في الإنتاج يقابله تضخم مرتفع وانهيار للعملة).
ولا تشير المؤشرات الحالية إلى انعكاس قريب للمسار ما لم يحدث أحد أمرين:

  1. تدخل نقدي مباشر لزيادة الاحتياطي من الذهب، ودعم الواردات الأساسية عن طريق تعبئة الموارد والمدخرات عبر الجهاز المصرفي.
    أو
  2. تحسن سياسي وأمني يسمح بعودة الإنتاج المحلي والصادرات بوتيرة أكبر.

أما التمويل الدولي (على أهميته الكبيرة) فهو لا يكفي وحده لوقف الانهيار النقدي الحالي، وإن كان ضروريا لبناء قاعدة الخدمات والتنمية في المدى المتوسط.

وبناء على هذه المعطيات، يمكن ان نخلص الى أن التضخم قد يرتفع مجددا، والقوة الشرائية قد تواصل التآكل، والجنيه يحتاج إلى إصلاح عميق، لا إلى مسكنات. وحتى تتغير طبيعة القوى المؤثرة في المشهد الاقتصادي سيبقى المواطن السوداني يواجه واقعا معاشيا بالغ الصعوبة، تتداخل فيه صدمات الأسعار مع شح الدخل، وتدهور الخدمات، وضعف اليقين الاقتصادي. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى كسر حلقة المضاربة.

ولفهم آلية المعالجة لابد من توضيح أن أزمة الجنيه والتضخم في السودان لم تعد ناتجة عن اختلالات مالية مجردة، بل عن سلوك اقتصادي دفاعي واسع تبناه الأفراد والتجار والمعدنون الأهليون على حد سواء، حيث تحولت المضاربة على الدولار في السوق الموازي إلى وسيلة لحفظ رأس المال من التآكل، لا إلى نشاط تجاري بالمعنى الضيق. ومع غياب بديل آمن، أصبح هذا السلوك أحد أخطر محركات انهيار العملة وتسارع التضخم.

في هذا السياق، فإن الحل الناجع والأسرع أثرا هو تنفيذ المقترح الذي سبق أن تقدمت به في فبراير ٢٠١٨، والذي تقف اطراف مستفيدة من المضاربة دون تنفيذه (الجنيه الذهبي الادخاري المحصور التداول داخل المصارف) كحل نوعي يستهدف مصدر الطلب على الدولار نفسه، لا نتائجه فقط. فالمقترح يقوم على إصدار وحدات ادخارية مغطاة بذهب فعلي ومسكوكة من قبل بنك السودان، ومحفوظة داخل الجهاز المصرفي، وغير قابلة للسحب أو التداول خارج المصارف، وبما ينفي عنها صفة العملة الموازية.

وتكمن الميزة الحاسمة للمقترح في أنه يقدم للتجار والمعدنين الأهليين (وهم من أكبر المتعاملين في السوق الموازي) بديلا آمنا لحفظ رؤوس أموالهم داخل النظام المصرفي، دون الحاجة للتحوط بالدولار. فبدلا من تحويل العائدات إلى عملة أجنبية خوفا من التضخم، يمكن توجيهها إلى وعاء ادخاري مرتبط بسعر الذهب العالمي، وقابل للتسييل داخل المصارف عند الحاجة.

أما الأثر الفوري المتوقع فيتمثل في:

  1. تقليص المضاربة على الدولار بغرض الادخار والتحوط، خصوصا من قبل المعدنين والتجار.
  2. خفض الضغط على السوق الموازي وسعر الصرف دون تدخل نقدي مباشر.
  3. استيعاب جزء معتبر من عائدات الذهب والتجارة داخل الجهاز المصرفي بدلا من تسربها إلى خارج المنظومة.
  4. تعزيز السيولة داخل الجهاز المصرفي وتقليل الزخم التضخمي عبر أداة لا تضخ نقدا جديدا.

وبذلك، فإن (الجنيه الذهبي الادخاري) لا يعالج فقط أزمة المواطن المدخر، بل يخاطب العصب الحقيقي للمضاربة في السوق الموازي، ويحول الذهب من عامل ضغط على الجنيه إلى رافعة استقرار له. ويمكن الرجوع لمقالاتي السابقة لمزيد من التفصيل لهذا المقترح، من حيث آلياته الفنية، وضوابطه التنظيمية، وشروط نجاحه في كسر حلقة (التضخم – الصرف – المضاربة) التي أنهكت الاقتصاد السوداني.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات