الطيب سعد الدين: فقدنا 98% من موارد الوزارة بسبب الحرب لكننا لم نتوقف عن العمل
الثقافة هي المدخل الحقيقي للمصالحة الوطنية بعد الحرب
الحرب دمّرت المسارح والمؤسسات الإعلامية لكن الإرادة ما زالت حية
الإعلاميون عملوا في أخطر الظروف وبإمكاناتهم الخاصة
نسبة الضرر في المؤسسات الإعلامية بلغت نحو 80%
لا صراع بين الوزارة الولائية و الاتحادية فنحن نعمل بنظام الشراكة
الآثار ملك للشعب السوداني وحمايتها أولوية وطنية
بدأنا فعليًا في تأهيل المسرح القومي واتحاد الفنانين
حوار : انتصار فضل الله. – حغية نور الدائم
في ظل واقعٍ استثنائي فرضته الحرب، وانعكاساتها العميقة على المشهد الثقافي والإعلامي والسياحي بولاية الخرطوم، يبرز سؤال الدور والمسؤؤلية.. كيف تُدار الثقافة في زمن الأزمات؟ وأي رسالة يحملها الإعلام في مرحلة إعادة التشكل الوطني؟
في هذا الحوار الصريح والشامل، نتناول تجربة وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم الأستاذ الطيب سعد الدين، الذي يكشف عن خلفيات تعيينه عبر الخدمة المدنية بعيدًا عن الاصطفاف السياسي، ويتحدث بوضوح عن التحديات القاسية التي واجهت الوزارة بعد فقدان معظم مواردها، وتضرر البنية التحتية الثقافية والإعلامية، ونهب المؤسسات والمنشآت.
الحوار يفتح ملفات شائكة تتعلق بدور الثقافة في المصالحة الوطنية، وحماية الآثار والتراث، وإعادة إعمار المسارح والمؤسسات الإعلامية، إلى جانب آليات الشراكة مع المبدعين والإعلاميين في ظروف شديدة التعقيد، كما يسلط الضوء على العلاقة بين الوزارة الولائية ونظيرتها الاتحادية، وأولويات المرحلة القادمة في الإعمار الثقافي والإعلامي والسياحي، بوصفها ركائز أساسية للحفاظ على الهوية الوطنية واستعادة الحياة العامة.
“نص الحوار “
*جاء تعينك في لحظة إنهيار مؤسساتيه.. هل كان خيارا انقاذيا ام سياسيا ؟
-تعييني لا علاقة له بأي أسباب سياسية. بعد ثورة ديسمبر 2019 تم اعتماد معايير الخدمة المدنية في اختيار المدراء العامين، حيث يتم تعيين الأعلى درجة وظيفية. ووفق كشف الخدمة المدنية بالوزارة، لم يكن هناك من هو أعلى مني درجة في أم درمان، كما كان من شروط التعيين أن يكون المدير العام مقيماً في أم درمان، لذلك وقع عليّ الاختيار، وجئت عبر الخدمة المدنية فقط.
*ما أبرز الملفات التي عملت عليها منذ توليك المنصب؟
- تولينا العمل في ظروف بالغة الصعوبة بسبب الحرب، وكانت الأولوية في البداية للإعلام، دون إهمال بقية مكونات الوزارة التي تشمل الثقافة والسياحة. منذ البداية حرصنا على إشراك الفاعلين في المجال الثقافي والإبداعي بأم درمان، خاصة المتأثرين بالحرب، ووجدنا منهم تجاوباً كبيراً، حيث بادروا بدعم نداء ولاية الخرطوم لإعانة المتضررين. *كيف أثرت الحرب على موارد الوزارة؟
-فقدت الوزارة حوالي 98% من مواردها المالية، لأن المواعين السياحية التي تُعد المصدر الرئيسي للدخل، مثل الفنادق والكافيهات والمواقع السياحية، تضررت بالكامل في الخرطوم. حتى نشاط الشقق المفروشة، وهو نشاط حديث نسبياً يعتبر في محلية كرري ، لم يحقق عائداً كبيراً بسبب ضعف الوعي بالقوانين المنظمة له.
*رغم ذلك، كيف تصفون علاقتكم بالمبدعين؟
- على الرغم من الظروف الصعبة، فإن تواصلنا مع المبدعين اليوم أفضل مما كان قبل الحرب. نلتقي بهم بصورة شبه يومية، وهم شركاء في كل الفعاليات، ونتواجد معاً في المناسبات المختلفة، ونعمل باستمرار على تبادل الأفكار ودعم المبادرات الثقافية.
*ما أبرز الأنشطة والبرامج الثقافية التي تم تنفيذها منذ توليت المنصب والتي تعملون عليها الآن ؟
-عملنا حالياً على تأهيل المسرح القومي، كما يجري العمل في تأهيل اتحاد الفنانين. وكانت لنا شراكة مع وزارة الثقافة والإعلام الاتحادية في إقامة ليلة وطنية كبرى بمسرح الفنان النور الجيلاني بالكدرو. كما احتفلنا بافتتاح المركز الثقافي بأم درمان، ونظمنا برنامجاً ثقافياً على شرف نائب رئيس مجلس السيادة بمشاركة أكثر من 40 عازفاً قدموا أعمالاً وطنية، إضافة إلى التعاون مع فرقة فلاح عبر الصالون المتنقل، ودعم رحلتهم القادمة إلى منطقة العفاض لرفع معنويات النازحين.
*ما دور الثقافة في ظل ظروف الحرب؟
-الثقافة يجب أن تقود الحياة، فالحرب أفرزت مشكلات عميقة وشرخاً اجتماعياً كبيراً. نحن في حاجة إلى المصالحة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر الفن والعمل الثقافي والإبداعي، الذي يجمع الناس بعيداً عن القبيلة والهوية الضيقة، فالمعيار هو الإبداع والانتماء للوطن.
*هل ساهم المبدعون في برامج العودة الطوعية؟
- نعم، أدخلنا المبدعين ضمن برامج العودة الطوعية، باعتبارهم عنصرًا فاعلاً في تشجيع الاستقرار وإعادة بناء الروابط الاجتماعية.
*ما أولوياتكم في الإعمار والتأهيل؟
-نعمل بتنسيق مستمر مع وزارة الثقافة والإعلام الاتحادية، خاصة في ملف تأهيل المسرح القومي، حيث نسعى لاستقطاب الدعم من عدة جهات. والتنسيق بيننا قائم وواضح، كما ظهر في احتفالية الكدرو، حيث توزعت الأدوار بيننا وبين الوزارة الاتحادية، ونطمح لمزيد من المشاورات والتعاون خلال الفترة القادمة.
- كم عدد المواقع الثقافية المتأثرة في الخرطوم؟
- لا يمكنني حصرها بدقة، لكن من أبرزها قاعة الصداقة التي أصبحت غير صالحة للمؤتمرات، إضافة إلى العديد من الصالات الخاصة بالأنشطة الإبداعية التي تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، المسرح القومي تأثر بشكل كبير، ومسرح خضر بشير ببحري تأثر جزئياً، بينما بدأت بعض المراكز في التعافي مثل مركز شباب بحري، مركز شباب الربيع، ومركز شباب السجانة، كما أن عودة المواطنين تسهم في تنشيط هذه المواقع من جديد. *طيب ما حجم الخسائر في المنشآت الثقافية والإعلامية؟
-لا يمكن تقديرها مالياً بدقة، لكن الضرر في المنشآت الثقافية يُقدّر بنحو 70%، بينما يصل في المؤسسات الإعلامية إلى حوالي 80%. فقد تم نهب معظم الأجهزة من تلفزيون السودان وتلفزيون الخرطوم وقناة النيل الأزرق والقناة الدولية، ولم يتبق سوى المباني، وهي تمثل نسبة ضئيلة من حجم الخسائر.
*ما طبيعة المؤسسات التي تتبع للوزارة؟
-هناك مؤسسات تتبع للولاية وأخرى اتحادية، وبيننا تعاون وتنسيق كامل وليس تقاطعات، وبحكم أن ولاية الخرطوم تستضيف العاصمة القومية، فهناك شراكات ومسؤوليات مشتركة، مثل المسرح القومي، الذي يمثل نموذجاً واضحاً لهذا التعاون.
*كيف تتم الشراكة بينكم والمؤسسات القومية؟
-الشراكة ضرورية خاصة في العاصمة، لأن ولاية الخرطوم تستضيف مؤسسات قومية مثل المكتبة الوطنية والمتحف القومي. رغم أنها إدارياً تتبع للوزارة الاتحادية، إلا أن الولاية تتحمل مسؤولية قومية تجاهها، وهناك تعاون كبير وتفاهم متبادل دون أي صراع.
*هل توجد تعارضات أو صراعات قانونية بينكم والوزارة الاتحادية؟
-لا توجد صراعات حقيقية، لكن هناك تقاطعات قانونية ناتجة عن عدم وضوح بعض التشريعات القديمة، مثل تبعية الآثار: هل هي للولاية أم للحكومة الاتحادية؟ لذلك نعمل حالياً بنظام الشراكة.
*كيف تتم إدارة وترميم الآثار؟
- لا يتم أي تدخل إلا بعد التشاور مع المتحف القومي. الترميم يتم بواسطة مختصين مؤهلين ومعتمدين من الجهات القومية، لأن الترميم عمل فني دقيق لا يقوم به أي شخص. *ما هو الهدف الأساسي من هذا العمل؟
-الهدف الأساسي هو الحفاظ على الآثار باعتبارها ملكاً للشعب السوداني كله، وليس الجدل حول تبعيتها. المهم هو كيف ننهض بالقطاع السياحي والثقافي.
*ما أكبر التحديات التي واجهتكم في العمل الإعلامي؟
- فقدنا كل مقومات العمل تقريباً: الكوادر المؤهلة، المعدات، الأجهزة، والميزانيات. الإعلام صناعة مكلفة وتحتاج مدخلات كبيرة، وكل ذلك كان مفقوداً. *كيف تمكنتم من الاستمرار رغم هذه التحديات؟
- بفضل تبرعات وجهود أبناء الوطن، حيث عمل العديد من الإعلاميين بمعداتهم الخاصة وتبرعوا بوقتهم وجهدهم، مثل المخرج محمود عبد الله والمصور والمونتير أحمد آدم فاروق، وغيرهم.
*كيف تعاملتم مع الحرب الإعلامية؟
- رغم وجود مليشيا تمتلك آلة إعلامية ضخمة تُدار من الخارج، إلا أننا عملنا مع شركائنا في التلفزيون السوداني ونجحنا في إيصال الصورة الحقيقية وإشراك المواطن السوداني في متابعة ما يحدث. *ما دور الصحفيين خلال هذه الفترة؟
الصحفيون لعبوا دوراً بطولياً رغم فقدان مؤسساتهم ورواتبهم. كانوا في قلب الأحداث، وواجهوا مخاطر حقيقية، وبعضهم نجا من الموت بأعجوبة، لكن إصرارهم على أداء واجبهم كان كبيراً.
*هناك شكاوى عن تهميش الإعلاميين، ما ردكم؟
-أحياناً يحدث سوء تقدير بسبب الظروف الأمنية ونقص الموارد، وليس إهمالاً متعمداً. نعتذر لأي شخص شعر بالتهميش، فالإعلام شريك أساسي ولا يمكن الاستغناء عنه.
*كيف نظمتم العمل الإعلامي في ظل الظروف الصعبة؟
-اعتمدنا على توزيع الكوادر على المحليات، والعمل بالمراسلين من مواقعهم بدلاً من تجميعهم في الخرطوم، وهذه الفكرة لاقت قبولاً واسعاً.
*هل توجد رقابة على الكافيهات والمناطق السياحية؟
-طبعا ، توجد رقابة عبر فرق مختصة من السياحة والجهات الأمنية، ويتم التفتيش على الاشتراطات الصحية والفنية، ولم تُسجل ممارسات شاذة داخل الكافيهات المرخصة.
*ماذا عن الشقق المفروشة؟
-الشقق المفروشة نشاط استثماري مهم ساعد في حل مشكلة السكن للمتضررين من الحرب، وللدولة والمنظمات. نحن ندعمه بشرط الالتزام بالضوابط، لكن بعض الجهات ترفض الترخيص مما يشكل تهديداً أمنياً.
*ما العقوبات على المخالفين؟
- قانون تنظيم العمل السياحي واضح، والعقوبات قد تصل إلى إغلاق المنشأة أو المصادرة، والجهة المخولة بذلك هي وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم. *ما هي مسؤولياتكم كوزير مكلف بالثقافة والإعلام والسياحة في ولاية الخرطوم؟
-أنا الوزير المكلف، وأيضًا الناطق الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، ورئيس اللجنة الإعلامية العليا للتوعية العامة للمواطنين. أتحمل إدارة الإعلام على مستوى الولاية، بما يشمل كل الوزارات، المحليات، الهيئات، والمؤسسات. نحن نشارك الكوادر، ندربهم، نسد النقص، ونستقطب المتعاونين. بشكل عام، مجمل إدارة العمل الإعلامي في الولاية يتم من خلال وزارة الثقافة والإعلام، وكل كوادرنا موزعين على الوحدات المختلفة، بالإضافة إلى مشاركتنا في نشاط حكومة الولاية. ونحن نُمثل السلطة الوصل بين الولاية ووزارة الثقافة والإعلام الاتحادية لتنفيذ أي مهام من المستوى السيادي أو مجلس الوزراء.
*وما هي الأولويات الثقافية للوزارة؟
العمل الثقافي واسع جدًا. الثقافة في السودان تمارسها المجتمع بوجهاته المختلفة، والحكومة تعمل على تمكين المجتمع من ممارسة نشاطه الثقافي في جميع المجالات مثل المسرح، الدراما، الغناء، النثر، وغيرها. لدينا هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، ونركز على رعاية المبدعين من خلال السعي مع أجهزة مختلفة، كما نحرص على المشاركة في كافة المناشط الثقافية للمجتمع.
*كيف تتعاملون مع المؤسسات الثقافية والجمعيات الفنية؟
-أي جماعة ثقافية أو فنية يتم تسجيلها ومتابعتها عن طريق مسجل الجماعات. نضمن التواصل مع الأجهزة المختصة لضبط العمل الفني والثقافي، وحماية المبدعين من أي تجاوزات أو مخالفات.
- هل هناك متابعة مستمرة لجميع الأنشطة الثقافية والإعلامية؟
-نعم، كل الكوادر موزعين على جميع وحدات الولاية، ونشارك في كل نشاطات حكومة ولاية الخرطوم. نحن نغطي كل ما يتعلق بالإعلام والثقافة والسياحة على مستوى الولاية، بما في ذلك تنفيذ المهام الموكلة إلينا من المستوى السيادي أو مجلس الوزراء.
*كيف تتابعون المصنفات الفنية والأدبية؟
-كل المصنفات تخضع للمتابعة وفق القانون. لدينا جهاز رقابي يقوم بالمشاهدة والتحديد، ويشمل المكتبات، أجهزة التصوير، أجهزة الصوت، وكل نشاطات النشر. التسجيل مهم لحماية المهنة، وهناك تنسيق مع اتحاد الفيديو والتشغيل لمتابعة كل ما يدور في هذا المجال. لدينا أيضًا مسجل للجماعات الفنية والثقافية، يسجل أي جماعة فنية، ويراجعها في الجمعية العمومية، ونخاطب الأجهزة المختصة لضبط العمل في هذا المجال.
*ماذا عن السياحة والآثار؟
-لآثار أهم من السياحة الحديثة لأنها تمثل الجواذب السياحية الرئيسية. منذ بداية التحرير بدأنا بحمايتها، خاصة بعد تعرضها للسرقة والتخريب. قمنا بتركيب أبواب وشبابيك وحراسة، وأدخلنا برامج للترميم والصيانة مثل ترميم الجدران والمباني القديمة. حاليًا ننتهي من تأهيل بوابات عبد القيوم، بما في ذلك الأعمال الصحية والعزل والمعالجة بالمواد الأسمنتية للأجزاء المتضررة، لضمان حماية الآثار من العوامل الطبيعية التي تؤدي للتآكل والتعرية.
*هل هناك مشاريع لتقييم الأضرار في الآثار؟
-بالتأكيد.. ، الوالي وجهنا لإجراء استطلاع شعبي لكل آثار الخرطوم، مع وصف الأضرار وتكليف مختصين لتحديد التدخلات المطلوبة. تم تكليف جهة متخصصة في ترميم الآثار مع استشاري متخصص لتقديم تقرير شامل حول الإصلاحات المطلوبة، وسيتم تسليم التقرير خلال هذا الأسبوع.
*وما هو وضع المكتبات والمصنفات من حيث الشكاوى والرسوم؟
-بعض المكتبات اشتكت من الرسوم المحلية، لكن النشاط الثقافي تغير كثيرًا، وأصبحت معظم المكتبات تعمل في محلات تجارية. الناس لم يكونوا على دراية بالقوانين الخاصة بالمصنفات، والتي تختلف عن الرخصة التجارية. عملنا فني بحت لضبط المخالفات وحماية أصحاب المصنفات. يمكن لأي شخص الاطلاع على القانون للتأكد من الالتزام.
*هل تم ضبط مخالفات؟
-نعم، تم ضبط مخالفات خاصة في أندية المشاهدة في منطقة الصابرين، حيث تم إغلاق العديد منها لعدم الالتزام بالضوابط، خاصة الصحة العامة.
*ماذا عن مشروع حصر الآثار في الخرطوم؟
-مشروع حصر الآثار جزء من مشاريع إعادة الإعمار 2030. الهدف هو تصنيف آثار الخرطوم وتحديد أولويات الترميم والتأهيل. لدينا أيضًا خطط لتحويل منطقة البوردين الاقتصادية إلى موقع سياحي، ونقل بعض البواخر السياحية والمعالم إلى مواقع أثرية.
