الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتالأستاذة هالة عبدالحليم… حضورٌ لا غنى عنه: لماذا أصبح التراجع عن الاعتزال...

الأستاذة هالة عبدالحليم… حضورٌ لا غنى عنه: لماذا أصبح التراجع عن الاعتزال ضرورة وطنية؟ كتب: مهدي داود الخليفة

في مارس الماضي، كتبتُ رسالة صادقة إلى الأستاذة هالة عبدالحليم أدعوها فيها إلى مراجعة قرارها باعتزال العمل السياسي. واليوم، والعام يطوي صفحاته الأخيرة، وقد تضاعفت التحديات وتعقّدت الكوارث واشتدّ فراغ القيادة على نحو غير مسبوق، أجد نفسي — بل يجد كل مخلص لهذا الوطن — مضطرًا لتكرار النداء، بقدر أكبر من الإلحاح، لأن اللحظة الوطنية لم تعد تحتمل الغياب ولا تسمح بتأجيل الواجب.

لقد استنزفت الحرب الطرفين المتقاتلين، وحصدت أرواح الأبرياء، ودفعت البلاد إلى حافة الانهيار الإنساني الشامل. ومع أن وقف إطلاق النار يمثّل أولوية عاجلة لا تقبل الجدل، فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا وخطورة: إعادة بناء الدولة، ترميم النسيج الاجتماعي، وصون ما تبقّى من روح المجتمع. وهذه مهمة لا ينهض بها إلا من امتلك صفاء البصيرة، ورسوخ التجربة، ونزاهة الضمير.

إن ابتعاد الأستاذة هالة لم يكن مجرّد غياب شخصية سياسية، بل كان فراغًا محسوسًا في جسد الحركة الوطنية السودانية. مكانتها القيادية لم تُبنَ على منصب عابر، بل على تاريخ طويل منذ بداياتها في الحركة الطلابية، مرورًا بدورها في قيادة حركة “حق”، ووصولًا إلى كونها أول امرأة سودانية تتبوأ رئاسة حزب سياسي قومي — في تجربة شكّلت مصدر إلهام لجيل كامل من النساء والرجال.

كانت الأستاذة هالة

صوتًا واضحًا حين اختلطت الأصوات،

وضميرًا يقظًا حين خفتت الضمائر،

ومثالًا للنزاهة السياسية في زمن ارتفعت فيه كلفة المبدأ وانخفض فيه ثمن المواقف.

لم تعرف المساومات، ولم تتورّط في تناقضات الطموح الشخصي. كانت — وما زالت — في صفّ القيم العليا: الحرية والديمقراطية والعدالة.

ولا أنسى آخر لقاء جمعني بالإمام الصادق المهدي، عليه رحمة الله، في منزله في أبريل 2020. تطرّق الحديث يومها إلى مستقبل القيادة السياسية في السودان، وإلى الشخصيات القادرة على حماية مكتسبات الثورة. وعندما ذُكر اسم الأستاذة هالة، توقّف الإمام — ذلك الرجل المعروف بعمق بصيرته — وقال إن الساحة السياسية خسرت كثيرًا بابتعادها، ليس فقط كقيادية نسائية بارزة، بل كعقل سياسي رصين ورمز وطني نزيه العطاء. كانت تلك الكلمات بمثابة قراءة مبكرة لحقيقة نراها اليوم بوضوح: البلاد تحتاج إليها.

وحتى وإن اختارت الابتعاد عن العمل الحزبي… فعودتها إلى الساحة العامة كشخصية وطنية ضرورة وطنية،

نظرًا لما تحظى به من احترام وسط الاحزاب والتيارات المختلفة، ولا سيما في ظل الهشاشة والضعف الذي أصاب معظم القيادات السياسية الحالية. إن حضورها ليس ترفًا سياسيًا، بل حاجة وطنية ماسّة، وركنًا من أركان بناء الثقة في القيادات في زمن تلاشت فيه الثقة وتآكلت فيه الرموز.

إن حزب “حق” في حاجة إليها، والسودان — قبل الحزب — في حاجة أشد. فالمرحلة المقبلة هي مرحلة ترتيبات سياسية كبرى، وصياغة مستقبل ما بعد الحرب، وهي مرحلة لا تحتمل غياب القيادات القادرة على بناء الجسور وتوحيد الصف ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

عودتها ليست خيارًا شخصيًا فقط… بل مسؤولية تاريخية

مسؤولية تجاه وطن ينزف،

وتجاه شعب يبحث عن قيادات لا تتنازل،

وتجاه مشروع سياسي بدأ بالإيمان العميق بقضايا الحرية والعدالة… ولا يليق به أن ينتهي بالصمت.

ندرك جميعًا عمق الألم الذي تعيشه الأستاذة هالة بعد رحيل رفيقة دربها وتوأم روحها، الدكتورة أسماء عبدالحليم، التي تركت إرثًا علميًا وإنسانيًا كبيرًا في الجامعات الأمريكية قبل أن ترحل في أكتوبر الماضي. لكن اليقين أن الحزن — مهما اتسع — لا يحجب نداء الوطن، وأن الوفاء لذكرى الراحلة يكون بمواصلة الطريق، لا بالابتعاد عنه.

عودة الأستاذة هالة… اصبحت ضرورة

ليست من أجل حزب، ولا من أجل تيار،

بل من أجل السودان.

هذا نداء صادق من قلب وطن مُثخن بالجراح، ومن شعب يبحث عن قيادة أخلاقية لا تساوم ولا تتراجع.

نثق أنك لن تخذلي وطنك، وأن اسمك سيظل حاضرًا في سجل الذين وضعوا السودان فوق كل شيء.

والوطن… ما زال ينتظر.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات