الجمعة, فبراير 27, 2026
الرئيسيةمقالاتالخرطوم بعد الحرب: التحديات الاقتصادية وإعادة الإعمار. ...

الخرطوم بعد الحرب: التحديات الاقتصادية وإعادة الإعمار. كتب: أبوعبيده أحمد سعيد محمد


منذ إعلان تحرير الخرطوم في 26 مارس 2024، ظلت العاصمة تواجه تحديات اقتصادية وإدارية غير مسبوقة. فبالرغم من تحرير المدينة، إلا أن عودة المواطنين كانت محدودة وبطيئة، نتيجة غياب الخدمات العامة وضعف الإنتاجية في مؤسسات الدولة.
تشير بيانات ديوان شؤون الخدمة بولاية الخرطوم إلى أن إجمالي الموظفين يبلغ 70,801 موظفًا، لكن الواقع العملي يظهر أن جزءًا كبيرًا منهم غير متواجد فعليًا. حوالي 10,022 موظفًا (أي ما يعادل نحو 14.2% من الكادر) تقدموا بطلبات إجازة بدون راتب، بينما خرج 5,000 موظف للمعاش، وتم تسجيل 989 حالة وفاة بين الموظفين، بالإضافة إلى 6,801 موظفًا لم يوفقوا أوضاعهم الوظيفية بعد. وبذلك، يظل نحو 69.2% فقط من الموظفين متواجدين ومنتظمين في أداء مهامهم.
هذا الواقع أدى إلى تعطيل الخدمات الحيوية في قطاعات المياه والكهرباء والصحة والتعليم، وزيادة الاعتماد على القطاع غير الرسمي، ما قلّل من الإيرادات الحكومية وأبطأ عجلة النشاط الاقتصادي. المواطنون، الذين يبحثون عن الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية، وجدوا أن العودة إلى الخرطوم محفوفة بالتحديات، مما دفع جزءًا منهم للتأجيل أو البقاء في مناطقهم الحالية، وأدى إلى استمرار الركود الاقتصادي في العاصمة.
في هذا السياق، تأتي توجيهات والي الخرطوم، أحمد عثمان، لتعزيز التنسيق بين ديوان شؤون الخدمة والوحدات الحكومية، كخطوة أساسية لإعادة هيكلة الكادر الوظيفي، وضمان ممارسة الموظفين لمهامهم بكفاءة ومهنية، وإيقاف التجاوزات في شغل الوظائف. هذه الإجراءات تهدف إلى رفع كفاءة الأداء الإداري، واستعادة الثقة في المؤسسات الحكومية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومع الإعلان عن توجه لإعادة الوزارات الاتحادية إلى الخرطوم مطلع يناير 2026، تظهر الحاجة الملحة إلى خطة شاملة لإعادة تشغيل الوظائف الحكومية وضمان الكفاءة العالية للموظفين. فالعودة الجزئية أو غير المنظمة للمؤسسات ستؤدي إلى بطء في تقديم الخدمات، مما يبطئ بدوره الانتعاش الاقتصادي ويؤخر عودة السكان والمستثمرين.
ولذلك، يصبح خلق وظائف جديدة جزءًا حيويًا من استراتيجية إعادة الإعمار. هذه الوظائف يجب أن تركز على مجالات البنية التحتية الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إضافة إلى الإدارة والحوكمة، والقطاع الخاص المتصل بالإعمار، بما يضمن عودة النشاط الاقتصادي تدريجيًا ويحفز المواطنين على العودة. إن توظيف الكوادر الجديدة وتدريبها ضمن خطة مرحلية مدروسة يضمن استقرار الخدمات وتحقيق إنتاجية عالية، ويخلق تأثيرًا مضاعفًا على الاقتصاد المحلي من خلال زيادة الطلب على السلع والخدمات.
إن الخرطوم اليوم أمام مفترق طرق: بين استمرار الركود والخسائر الاقتصادية، أو إعادة هيكلة القطاع الحكومي وخلق الوظائف اللازمة لدفع عجلة الإعمار. القرار السياسي والإداري الحازم، المصحوب بخطة تنفيذية مرحلية تشمل مراجعة دقيقة للكوادر الحالية، وضمان حضور الموظفين، وخلق فرص عمل جديدة، سيكون العامل الحاسم في تحقيق الانتعاش الاقتصادي وإعادة العاصمة إلى مكانتها كمركز حيوي ونابض بالحياة. saeed.abuobida5@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات