حقل هجليج النفطي تمثل العمود الفقري لما تبقى من الاقتصاد السوداني، فالحقل يشكّل موقعاً استراتيجياً لمعالجة وتصدير النفط، وكان ينتج قبل الحرب عشرات الآلاف من البراميل يومياً، كما يوفّر عائدات من رسوم عبور نفط جنوب السودان عبر السودان إلى الأسواق العالمية، هذا التوقف التام للإنتاج بعد إجلاء العاملين وإغلاق المنشآت، فرض خسارة عاجلة للعائدات النفطية بالعملة الصعبة، في وقت يعاني فيه السودان أصلاً من تراجع حاد في إيرادات الخزينة وارتفاع مستمر في التضخم والأسعار. وقد يُترجم هذا الضرر الاقتصادي مباشرة إلى اختناق معيشي يضرب المواطن في أساسيات حياته الوقود، الكهرباء، الغذاء، الدواء، والنقل. ما كان هامشاً ضيقاً للاحتمال أصبح اليوم عملياً معدوماً. توقفت الدولة تقريباً عن القدرة على الاستيراد بانتظام، وانكمشت دورة الإنتاج الداخلي، وارتفعت معاناة الأسر في المدن والريف على حد سواء. ورغم كل هذا الخراب الذي لحق بالبنية الاقتصادية، فإن الجيش السوداني قدّم تضحيات جسيمة في مواجهة الحرب واتساع رقعتها، وخاض معارك شرسة حمايةً للمدن والمؤسسات والحدود، مدافعاً عن السيادة ومستقبل البلاد، هذه التضحيات ليست حدثاً عابراً في المشهد الوطني، بل هي رصيد أخلاقي وتاريخي يجب أن يُبنى عليه عند الحديث عن مستقبل السودان. نحن نثق في الجيش ونثمّن ما قدّمه من دماء وجهد، ونوقن بأن صموده كان وما يزال سداً أمام الانهيار الكامل والسيطرة على مقدّرات الشعب. لكن السودان اليوم بحاجة إلى عقل بارد ورؤية بعيدة، إذ إن الصراع على النفط أثبت أن الثروات دون دولة قوية تتحول إلى لعنة لا نعمة.
الطريق إلى التعافي لن يُكتب بالسلاح وحده، بل بمشروع حكم جديد تتقدم فيه قوى وطنية شريفة غير حزبية، من التكنوقراط والخبرات الاقتصادية والقانونية والإدارية، قوى تضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح، وتراعي الدماء التي روت أرضه، وتستعيد للدولة مسؤوليتها في إدارة مواردها بعيداً عن المحاصصات والولاءات الضيقة. إن المستقبل ما يزال قاسياً، لكن الأمل لم يسقط السودان يستطيع أن ينهض من جديد، إذا تضافرت تضحيات الجيش مع وعي وصدق من يملكون القدرة على البناء لا الهدم، وعلى التخطيط لا الفوضى، فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، لكنه يكرّم من حافظ على الوطن في اللحظة التي اعتقد فيها الجميع أن لا شيء يمكن إنقاذه، وان طال أم قصر الميليشا الي زوال.
