تحول الموقف الفاعل في المجتمع الدولي الذي كان يُساند ويُطالب ، كما ظل داعما لتشكيل سلطة مدنية في السودان بإرادة مدنية داخلية، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإعلان عن تدابير لترسيم خارطة لنقل السلطة لإدارة مدنية سودانية برعاية الوساطة الرباعية ، وابعاد حركة الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون) عن المشهد السياسي بصورة نهائية. لتنتقل البلاد من مرحلة الصراع والاستقطاب الداخلي الدائر على السلطة بين القوى المدنية (حزبية ومنظمات مجتمع مدني) من جهة وحركة الإسلام السياسي بقيادة على كرتي وتحالفات المؤتمر الوطني والأحزاب المنضوية إلى السلطة بموجب اتفاق سلام جوبا وعلى رأسها حركات جبريل ومناوي وعقار من جهة أخرى إلى مرحلة الاستقطاب الخارجي، وتقاطع صراعات المصالح الداخلية والخارجية المفتوحة والدائرة بين نخب القوى المدنية ممثلة في نخب الأحزاب ومنظمات المجتمع بمآخذها الموروثة من تجارب ما بعد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة في عزل نظام الإنقاذ، نخب قوى غالبيتها لا تستند إلى مرجعيات جماهيرية موجودة على الأرض ،كما والقليل منها التي تم اختبار ثقلها الجماهيري في الإنتخابات العامة (الأمة والإتحادي والشيوعي والقومي السوداني) وحازت على التفويض الإنتخابي وتمثيل الشعب في البرلمان . في حلبة الصراع السياسي المتمحور ورث زخم حركة الإخوان المسلمون بزعامة د.حسن الترابي الشق الأضعف فكريا داخل الحركة والذي انشق عليه بقيادة نائبه السابق علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع ويتغلب عليه العقلية الأمنية ، كما وله تاريخ وسجل داخلي وخارجي في العنف وممارسة القتل الجزافي، و قد ظل ذلك الشق مهيمنا على السلطة حتى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، وصار يقوده حاليا علي كرتي . لقد ظل ذلك الشق المنشق على زعيمه الترابي يحمل معه شعار الجهاد الديني وأدواته هما الإرعاب والإرعاب وثقافة الانتقام والتربص بقوى ثورة ديسمبر المجيدة للانتقام تحت غطاء حرب الكرامة لاستعادة السلطة . أما بقية الأحزاب الأخرى التي لم تحصل على دوائر إنتخابية في تجارب الديمقراطيات الثلاث العامة السابقة التي مرت على البلاد ، ومنها من لم تكن موجودة أصلا في عهود الديمقراطيات الثلاث السابقة المذكورة ، والتي لم يتم اختبار ثقلها الجماهيري أو تأثيرها الفكري من خلال منابر ديمقراطية حقيقية عامة ،وقد خلعت لنفسها تمثيل قوى الثورة ولم تحقق اي نجاح بل فرطت في الحفاظ على مكاسبها ولا تزال متدثرة بشعاراتها لتعود إلى السلطة وهي لم تستفد من دروس تجربتها القصيرة . إن عودة حركة الإخوان المسلمون إلى المشهد السياسي علنا بعد عزلها عن السلطة وجماهيريا بثورة ديسمبر المجيدة عقب اندلاع الحرب ،هي من نتائج فشل نخب هذه القوى ، كما ولم تكتف حركة الإسلام السياسي من توظيف فشل تلك النخب للعودة ، وقد تسيدت المشهد السياسي الداخلي مرة أخرى، وهي تضرب في طبول الحرب ، بل اتخذت من عجز هذه القوى عن مخاطبة قضايا الجماهير المتأثرة بالحرب ذريعة ، وصارت تملي إرادتها على الغير وتعلن عن فرض أوامرها وشروطها على الكافة وعلى الشارع وأخضاع المواطنين والقوى الحزبية والمدنية رعية لها بشعار حرب الكرامة ، وقد صار قائد الجيش البرهان معبرا عن توجهاتها تارة ، كما وفي تارة أخرى يغرد بعيدا عنها خشية على نفسه منها ،كما وفى تارة ثالثة يجده المراقب تائها لا يُعرف عنه عماذا يريده أو يفعل . كما وفي جبهة الصراع الدائر ما بين القوى المدنية وبين حزب المؤتمر الوطني وقائد الجيش الذي انفرد بالقرار السياسي بالبلاد .يقف الدعم السريع وحليفه تأسيس من جهة أخرى وهما يخططان لحكم البلاد بالبندقية المنصوبة ، ودخلت البلاد في لجة فوضى سياسية وحروب عارمة . لتكون الظاهرة السودانية هي الأسوأ ،والتي ستجر كل الدول الجارة للسودان ودول الحزام الغرب الإفريقي في صراعات مفتوحة وتغيرات باتت محتملة للأنظمة الحاكمة في العديد من البلدان الإفريقية، وكذلك مشروعات إعادة ترسيم الدول الهشة التي غالبيتها تقوم فيها المواطنة على الولاءات الطبيعية القبلية وعلى رأسها السودان .
الدروس المستفادة من تجربة حكومة ثورة ديسمبر المجيدة.
ثلاثة عقود في السلطة تمكنت خلالها حركة الإسلام السياسي وحزبها المؤتمر الوطني من انهاك القوى السياسية السودانية واضعافها ، وقد قامت باختراق الأحزاب وتجيير أسماء معتبرة في المجتمع المدني لخدمة مآربها ، وحينما اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م لم تكن هنالك تنظيمات سياسية تمتلك قدرات تنظيمية تناسب المرحلة، كما انتحلت مجموعة صغيرة صفة تمثيل تجمع المهنيين السودانيين ولم تكن تمتلك خبرات نقابية أو تجارب مهنية ،وحولت كل مكاسب الثورة لخدمة أغراض مجموعات صغيرة من الأشخاص والأحزاب غير المؤثرة جماهيريا ولا فكريا. كما لم يكن هنالك أي دور حقيقي لمنظمات المجتمع المدني بل مجرد لافتات مرفوعة تحت غطاء المجتمع المدني . لذلك تهيأت كل الظروف والأسباب لفشل تجربة الانتقال والتي انتهت بالحرب الدائرة . حكومة د.حمدوك تشكلت وقد توافرت لها كل أسباب النجاح والدعمين المحلي والدولي، ولكنها أهدرت اهم فرص تحقيق النجاح بتحويل قوى الثورة من قوى ثائرة تخرج يوميا وتتجمع في الشوارع والساحات العامة وهي تحمل شعارات الثورة ، وتغلق المنافذ المؤدية إلى مباني رئاسة مجلس الوزراء إلى قوى منتجة تقوم بأدوراها ومهامها من مواقع أعمالها وإعادة الطلاب إلى القاعات الدراسية والشباب إلى العمل ومراكز الإنتاج الثقافي والفنون والمسرح وقد ظلت قوى الثورة تملأ الشوارع وترفع الشعارات وتتجه إلى رئاسة الوزراء وكأن رئيس الوزراء هو من يملك العصا السحرية فيخرج ملوحا بعلامة اصبعي النصر ومن بعد ذلك تخرج هتافات من مؤيدية داوية (شكرا شكرا حمدوك ) .
نتائج الحرب تجاوزت حمدوك وحلفاه .
على الرغم أن د. عبد حمدوك لم يكن له أي كسب خلال فترة المعارضة أو الثورة فقد كان موظفا أمميا يتبع للأمم المتحدة ،كما ولم تكن له مساهمات طوال فترة الثورة وقد تعرف عليه الشارع السياسي حينما اختاره لمنصب وزير المالية واعتذر كما وكان قبل ذلك تم ترشيحه بواسطة دولته السودان لموقع رئاسة منظمة الكوميسا ولم يوفق ، فإن القوى التي تلتف حوله لا تزال تتمسك ليس قناعة منها بقدراته ولكن لتعود من خلال إلى السلطة وقد صار رمزا له جماهيرية لم يحافظ عليها وقد تآكلت شعبيته مثل الرئيس الجزائري الأسبق عبد العزيز بوتفليقة الذي لم يعد قادرا على الحكم وحوله مجموعة تستغل في إسمه ورمزيته للحفاظ على مكاسبها ،فثارت عليه الجماهير .
الفرصة المواتية .
الآن باتت الفرصة مواتية أمام جماهير الثورة لتنظيم واعداد صفوفها ، واختيار قيادات من داخلها عركتها التجارب واختبرتها المواقف ،لتكون جاهزة لسد الفراغ، وعدم تكرار تجربة نتائج ثورة ديسمبر المجيدة . فالقيادات المصنوعة لن تكترث ولن تضحي من أجل الجماهير، وقد خرج حمدوك وأعوانه وتركوا الشارع يغلي كالمرجل .
