في البدء لابد من الإشارة إلى فلسفة الخلق القائمة على التنوع والاختلاف الذي صيرنا شعوباً وقبائل وسحنات وعرقيات وألسن ومعتقدات وتأكيداً لذلك قال الخالق الحق في كتابه الحق الذي لاريب فيه (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة لايزالون مختلفين..ولذلك خلقهم) فالتنوع يعكس ثراء إن أحسنت إدارته ووجه لمخاطبة المصالح العليا ووظف لتحقيق المنافع المشتركة وبهذا يصبح من أهم مصادر القوة لا الضعف.عكس الخلاف الذي هو مذموم ويعبر عن حالة الانكفاء ومحدودية الفكر والقدرة على العطاء والإبداع الذي يحتاج لفضاءات إنسانية مفتوحة متحررة من سجن القبيلة والجهويات وباقي القيود والحدود التي هي من صنع البشر.
إن غياب ثقافة الحوار وقبول الآخر والعمل الجماعي المنظم من المشكلات التي تعانيها بلادنا وسائر دول المنطقة والإقليم لذلك تتفاقم الأزمات وتراق الدماء ولأتفه الأسباب كون المجتمع مهيأ لذلك وسريع الاشتعال وقابل للتفجير ولو عن طريق رسالة ملغومة أو “نكتة” سخيفة في أي من منصات مواقع التواصل الاجتماعي التي يؤمها ويتفاعل فيها كل شرائح المجتمع المتعلمين منهم والجهال، الأسوياء وأصحاب العاهات النفسية والذهنية وهي تعكس في مجملها صورة للخلل وللخلاف الذي يفرق فهناك دائما من يسعى للتقليل من الآخر ومحاولة قتل الشخصية من خلال نشر ثقافة الكراهية والإساءة والبذاءة والبهتان والازدراء والتدابر بسبب الفجور في الخصومة.إن احتدام الصراع في كل الميادين خاصة السياسة والرياضة والإعلامية وحتى الجامعات وغيرها مرده لهذا الخلل الثقافي الذي يحول الاختلاف المحمود إلى خلاف مذموم فالاختلاف فيه إثراء وقوة إلى العكس من الخلاف الذي يؤدي إلى النزاع والمشاحنة والوهن.
لقد نجح الغرب إلى حد ما في إدارة التنوع وصولاً للانسجام واستقرار المجتمع والدولة وأفلحوا في صياغة مناهج تكرس لثقافة الحوار والمساوة وقبول الآخر وتعزز الانتماء والعمل المؤسسي وتدعم الحقوق وسيادة القانون.
بينما عندنا مجرد الاختلاف يغذي العصبيات ويعكر صفو المجتمع ويقطع الأواصر وينشر ثقافة الكراهية.ويحدث هذا حتى في المؤسسات الرسمية فمجرد إبداء النصح أو تباين الآراء يعتبره بعض المسؤولين جرما ويصنفوه معارضة ومؤامرة كماحدث مؤخراً على سبيل المثال في ملف تردي البيئة وانتشار الذباب في العاصمة بورسودان والذي كاد أن يتطور إلى خلاف ومعركة بين القلم والكلاش.
عليه وحتى لايتحول الاختلاف إلى خلاف علينا نصمم برامج للتغيير والحلول مبتداها كما قدمنا آنفا تربوية ثقافية يشتغل عليها الجميع الأسر والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمنابر المسجدية والمبدعون في حقول الفنون والرياضة والدراما وكذلك منظمات المجتمع المدني وفي طليعتها الأحزاب التي تحتاج هي الأخرى للإصلاح السياسي لتتعافى وتسهم بفاعلية في المشروع الوطني.
