الجمعة, مارس 20, 2026

نحو بناء دولة حديثة  قابلة للتطور  بعيدا عن الادارة الاهلية  بقلم/ زكريا علي عبدالرسول


لم تمر بضعة ايام علي نشرنا للمقال الذي حمل عنوان: “الادارات الاهلية مسلوبة الارادة اصحبت عبأً علي مجتمعات دارفور وخصما علي الوحدة الوطنية” …اصدر والي ولاية شرق دارفور قرارا  حل بموجبة الادارة الاهليه بكل مستوياتها ابتداءا بالنظار والشراتي والعمد والمشايخ.
تأتي أهمية هذا القرار في هذا التوقيت المهم من تاريخ السودان، لايقاف نزيف دم شباب القبائل الذين زجت بهم الادارات الاهليه في اتون حرب لا ناقة لهم فيها ولاجمل وقد أرغموا  علي التجنيد لصالح قوات  الدعم السريع بواسطة الادارات الاهليه، وفي بعض المناطق كان  التجنيد فرض عين علي كل قادر علي حمل السلاح.كل ذلك يتم تحت الاشراف الكامل لرجل الادارة الاهليه .
ومن خلال متابعتنا لبعض التنوير والمخاطبات الجماهيريه ، هناك بعض الادارات الاهليه التي  حرضت  منتسبيها من ابناء القبيلةالذين تم تجنيدهم والمتوجهين الي خوض المعارك في الخرطوم انطلاقا من دار الناظر  هنالك مباركة لعمليات السرقة والسلب والنهب لاموال الناس في الخرطوم والجزيرة وكل المناطق التي استبيحت انها امول حلال تحت مسمي  المال(الفيئ).وهكذا عاثت فسادا وقتلا ونهبا  تحت  هذا المسمي التحريض لرجال الادارة الاهليه  عند وداع هؤلاء.
إن طرح اعادة النظر في مسالة الادارة الاهليه هي ضرورة  املتها الوقائع العملية للادارة الاهليه منذ انشاءها بواسطة المستعمر  فهي في السابق لم تكن  ادارات اهلية في  عهود السلطنات والممالك  فهي في ذلك الوقت كانت إدارات تنفيذيه  تحت اشراف السلطان .فمثلا:  الدمنقاوي في الغرب دار ديما ( زالنجي وماحولها من مناطق) هو عبارة عن واليا ومشرفا علي الارض التي تقع  تحت ولايته يمارس فيها كل السلطات التنفيذيه.  وكذلك التكناوي في الشمال دار تكنج (كتم وماحولها من مناطق).والمقدوم في الصعيد دار أومو(نيالا وما حولها ) والابا شيخ (الفاشر وشرقها). ويقع تحت إدارة هؤلاء الولاة الاربعه  الشراتي  وهم بمثابه  محافظي المقاطعات او معتمدين بلغة اليوم  وهم بدورهم يديرون العمد. اما العمد فيقع المشايخ تحت ادارتهم المباشرة  وهم المسؤولون عن إدارة القري والحلال ( جمع حِلّة).
هكذا كانت تدار الدولة او السلطنة  بواسطة الولاة الاربعة  والمحافظين من الشراتي وعمد المقاطعات فليس هناك مايسمي  بالادارة الاهلية  بل هي ادارات تنفيذية بحته.
بعد هجرات القبائل  الرعوية الي دارفور  بحثا عن المراعي الجيدة في اراضي دارفور وبتشجيع كامل  من السلاطين لاحداث التنوع  وتبادل المنافع واكتساب الخبرات في شتي المجالات وتقوية اقتصاد السلطنة وتنويع مصادرها ، توافد عدد كبير من القبائل الرعوية وتنامي افرادها عبر الهجرات المتتاليةوالانتدماج وسط المجتمعات،ذلك العبقرية الاجتماعية التي ساهمت في تكوين  مجتمع دارفور بشكلة الحالي رغم محاولات بعض رجالات الادارات الاهلية القبلية واصرارها علي تقسيم المجتمعات الي عرقيات ولونيات جلبت الاقتتال الذي شهدته  المنطقة خلال السنين الماضية ولازالت مستمرة  وكل تزهق ارواح بسبب ذلك التصنيق المقيت  لونا او عرقا.
  ولتسهيل عملية تقديم الخدمات وتيسير امر النظر في فض المنازعات التي تنشب علي المستوي الاجتماعي حال حدوثها  بين الافراد والجماعات.في سبيل ذلك أنشأ السلاطين  إدارات لشؤون الافراد سميت بالنظارات مفردها نظارةوالقائم علي امرالوظيفه يسمي ناظر، وهي وظيفة تعادل وظيفة الشرتاي،  والفرق فقط ان للشرتاي إدارة تنفيذيه يدير بها شؤون الارض اي له حاكورةوكذلك له انفار مفردها ( نفر). اما الناظر فهو مسؤول عن إدارة الانفار (افراد) في قبيلتة، فالناظر في الغالب هو ناظر دولف( ظلف) اي انه مسؤول عن إدارة شؤون افراد القبيلة  وجمع الضرائب الدقنية والقطعان فهو ليس له من الاطيان نصيب ( الحواكير).
هذه الحقائق التاريخيه المجردة ربما تثير حفائظ بعض الذين يريدون ليي عنق الحقيقةوإلباسها جلبابا لايواري سوءاتها، ولكن حتي نستفيدمن هذا التاريخ ونستقي  منه  المواعظ والعبر ينبغي ان يسرد ويحكي كما هو ، ليس تحكما ضد احد او نكرانا للجميل وإنما لاخذ العبر والدروس المستفادة منه . فالحقيقة ان هذا النظام الاداري  الدقيق  ساعد علي تماسك الدولة ( السلطنة ) وتماسك مكوناتها السكانية  لقرون عديدة متعايشة في سلام وامان تام .
اما الحروب  التي خاضتها السلطنه  ضد بعض المكونات هي لغرض اخضاعها بعد ان تمردت علي سلطان الدولة ةرفضت دفع ضرائب القطعان فلزم اجبارها علي دفع  الضرائب عن افرادها ومواشيها حتي لو كان ذلك علي حد السيف وقد كان ذلك بالفعل لفرض هيبة الدولة. وربما هذا هو السبب في الغبن الموجود لدي بعض المكونات تجاه مكونات اخري في دافور.
● بداية الكارثه في عهد الاستعمار :
بعد ان ءال نظام الحكم  في دارفور  الي الاستعمار الانجليزي في العام ١٩١٧م دفعت بقانون الادارة الذي عرف بالادارة  الاهلية  وهذا  اول انتقال  من إدارات تنفيذيه ذات صلاحيات ولها حق الحل والعقد  الي ادارت اهلية فاقدة للسلطة وخاضعة تماما لسلطة المستعمر  التي استعملتها لاغراض الجبايه ودافعي ضرائب قطعان الماشية  والافراد ( الدقنية).فموجب هذا القانون تم الغاء بعض الادارات القديمة التي تدين  بالولاء الكامل للسلطان رغم سقوط السلطنه واصرارها علي عدم الخضوع لسلطة المستعمر، وتناصبه العداء جهرا اصرارا علي قتاله وطرده . فعوضا عن ذلك انشأت ادارات اهلية جديدة خاضعه  ومتماهيه مع سلطة الاستعمار ولاتستطيع ان تعصي له امرا
● سلطة دولة ١٩٥٦م وماتلتها من انظمة حكم عسكريه  وديمقراطية:
بعد اعلان استقلال السودان عن الحكم البريطاني  تغافل السودان  عن وضع نظام حكم بديل لنظام الحكم الانجليزي. نظام  ينبثق من واقع الدولة السودانية يعالج التنوع  في الثقافات والمعتقدات نظما يحكم  بلد  تم تجميعه من ممالك وسلطنات ضاربة في الجذور  وكل سلطنة او مملكة لها نظام حكمها الخاص بها لقرون  فبدلا  من وضع دستور ونظام حكم يستوعب كل هذه التقاطعات.  ورثت النظام الاستعماري  في فرض الحكم بالقوة . فاصبحت دولة ٥٦ هي التالية للاستعمار ووريثه نظامها الاداري للدوله بما في ذلك نظام الادارة الاهليه علي الرغم من علاته وعجزة عن تلبية متطابات بناء الدولة الحديثه ،حيث ورثت نظامين إداريين في دوله واحده  وهو النظام الاداري التنفيذي للدولة  بالاضافه نظام الادارة الاهليه وهو خلل إداري  واضح كان يمكن تداركه لولا  اغراض التسلط والاستغلال التي كانت هي السمة الابرز في تلك الحقبه  والتي تلتها.
سارت الحكومات الوطنيةإن جاز تسميتها بالوطنية  علي نهج الاستعمار  في طريقة تعاملها مع الادارات الاهليه المتمثل في جمع ضرائب القطعان وزاد عليها استغلالا في الحشد والتاييد السياسي ومع الاسف حرمت ابناء المجتمعات من التعليم لابقاءهم موارد بشريةلاغراض التجنيد، وفي  سبيل التمكين والسيطرة الكامله علي  الادارة الاهليه.عمدت علي انشاء ادرات جديد متنازعه والزيادة المهوله في اعدادها بغرض احداث النديه والتنافس بين المكون الواحد وابقاء افرادها مشحونه وواقفه علي صفيح من البارود قابل للانفجار في اي لحظة.والمهمة الرئيسية لتلك الادارات الاهليه هي جمع المال وتجييش افراد القبيلة  واحيانا التعالي علي المكونات  الاخري  بفرية النقاء العرقي والقوة والتكاثر ،لاغرض الاستعداد الدائم  للتمليش ضد القبائل  او من يتمرد علي النظام فابقيت  تلك القبائل سيفا  مسلولا علي رقاب بعضها البعض حتي بين ابناء العمومه.وتفاخم الوضع في عهد الانقاذ  التي انشأت اضعاف الادارات الاهليةالمتناهرة وقسمت دارفور  الي ولايات ومحليات علي اساس قبلي وعرقي،  واستغلت تلك الادارات الاهليه  في حربها  في الجنوب  وحربها ضد حركات الكفاح المسلح  وقسمت المجتمعات علي اساس اللون ( زرقه وعرب) وهذا الامر لم يجد ارضا صالحه لولا وجود الادرات الاهليه التي تأتمر بمن يدفع حتي لو كان علي باطل.  
● الدعم السريع واستغلاله للادارات الاهلية:
المتابع الحصيف  لقوات الدعم السريع منذ انشاءها في العام ٢٠١٣م  يدرك  تمام  ان  نظام تجييشها اعتمد في الاساس علي رجالات الادارة الاهليه.ففي غالب الاحيان الالتحاق بقوات الدعم السريع يكون عبرالنظار والشراتي والعمد، بحيث يطلب من كل ناظر او شرتاي اوعمدة احضار عددا  محددا من افراد قبيلة  للالتحاق بالجندية في الدعم مقابل جعل مالي عن كل رأس بشري  تم قبوله.
● حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣م وفرز الكيمان:

إن حرب ١٥ابريل  قد بينت بجلاء  استغلال  هشاشة الادارة الاهليه  وعدم قدرتها علي الصمود  كادرات  واعيه  تعمل علي  تجنيب  منتسبيها  ويلات الحروب . فبدلا من التدخل لخفض التوتر واطفاء نيران الحرب بين الاطراف ، عملت علي تأجيجها  والوقوف الي جانب قوات الدعم السريع . وقد شهدنا ذلك  عبر  البيانات واعلان وقوفها ودعمها لقوات الدعم السريع التي اعلنت تمردها علي الدولة، مل ذلك كان  عبر بيانات رسمية مكتوبه مقروءة ومصورة. بل ذهبت الي اكثر من ذلك فقد حرضت علي اجتياح المدن والبلدات وتهجير اهلها  وسلب ونهب الاموال  وقتل الانفس البريئة بدوافع عنصريه بغيضه وكراهية عرقية مقيتة.وقد شهدت القري والبوادي  والمظاعن  تجنيدا قسريا  للشباب بواسطة الادارت الاهليه التي اعلنت ولاءها الكامل لقوات الدعم السريع .وسيرت قوافل دعم  واسناد بشري  بمجموعات قبلية  للقتال في المحاور المختلفة  . كل ذلك يحدث  ويتم مقابل حفنه من مال او بالترهيب والتحديد بالمسح من الخارطة.

● اهم الادوار التي لعبتها الادارة الاهلية منذ عهد الاستعمار:
١- جمع الجبايات والضرائب وحل بعض القضايا ذات الطابع الاجتماعي  بتطبيق الاعراف والتقاليد .
٢- التحشيد في الانتخابات لصالح الانظمة الحاكمة أيا كانت حزبيه اوانقلابية عسكرية.
٣-تزكية الولاء القبلي والعرقي بدلا عن الانتماء الوطني.
٤- تزكيةوتأصيل روح الانتماء والولاء الي جزور عرقية ذات انتماء إلي اوطان اخري غيرالسودان.
٥-ممارسه النفاق في التعاطي مع القضايا السياسيه والوطنيةاثناء الانتخابات ( آكل تورك وأدي زولك) في عملية فساد انتخابي يتنافي مع الحرية والديمقراطية.
هذه الاسباب مجتمعه واخري لم يسع المجال لذكرها من ممارسات الادارةالاهليةالسالبة هي التي انتجت هذه الاجيال  من ذوي الفكر المشوة  الذي  يمارس  القتل العرقي الممنهج  ويمتهن النهب والسلب والسرقه ، ويقسم المجتمعات  بطريقه عنصريه بغيضه، حاملا في دواخلة  حقد وكراهيه لا مثيل لها في العالم المتحضر الذي نعيشة  ولا تعرفها حتي تلك العوالم  المحكوم عليها  بالتخلف.
الوقت قد  حان  لاعادة الامور الي نصابها  وبناء الانسان السوداني الناضج في فكرة ومتشبع في ثقافه قابلا للتعايش في سلام وامان مع من حوله. تلك الدولة التي ينبغي ان تبني وفق اسس تكون ركائزها الاساسيه : الحرية والديمقراطية  والفدرالية. فيها تحترم كرامة الانسان، ويعترف   بحقوقة الاساسيةالتي كفلتها له الشرايع والاديان والاعراف والقوانين الدوليةالتي تواثقت عليها الامم، والالتزام  الكامل بحرمة دم الانسان، والحفاظ علي وماله وعرضه واجب اخلاقي . وهذا لا يتم  الا بتوحيد قنوات  ضبط السلوك وتوجيهها نحو سلوك قومي تعاوني قائما علي قبول الاخر كما هو. وغرس روح الانتماء للواطن الواحد المتنوع الاعراق الثقافات والاديان وتمكين جميع الشعوب السودانية من حكم انفسهم وفقا للقوانين  والاعراف التي تتناسب مع ثقافاتهم ومواردهم.

● أجراءات ضرورية يجب اتخاذها قبل فوات الاوان :
١-ضرورة حل الادارات الاهلية  بكل مستوياتها بدأ بولايات دارفور الخمس.
٢- انشاء تنسيقيات شعبية فدرالية لادارة شؤون الولايات  يكون من بين اماناتها امانه لشؤون القبائل  بالولاية للبت في حل القضايا ذات الطابع العرفي.استنادا إلي الاعراف او مايعرف  بنظام الراكوبه  المعمول به في فض النزاعات بين القبائل خاصةتلك المتصلة بقضايا الديات والجروح وكل ما تعارف  عليه.
٣- تدريب  شباب التنسيقيات الشعبية الفدرالية  علي احدث النظم  الفدرالية  المشابهة للحالة السودانية.
٤- معالجة التظلمات المجتمعية لتفريغ حالات الغبن  المجتمعي  تجاه مجتمعات سودانية اخري سواء كانت تلك المظالم واقعية او ازكتها الادارات الاهليه سالفة الذكر.
٥- تهيئه البيئة الملائمة لحوار يشمل جميع السودانين لوضع الاساس الصالح  لبناء دولة  صالحة قابلة للبناء والتطوير .

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات