السبت, مارس 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالهدنة المعلنة من طرف واحد: تناقض الخطاب ووحدة المصالح ...

الهدنة المعلنة من طرف واحد: تناقض الخطاب ووحدة المصالح بقلم/ أمير الزين نورالدائم – الولايات المتحدة الأمريكية

رغم تعدّد الدعوات الدولية لوقف الحرب في السودان، يصرّ الجيش، ومن خلفه الحركة الإسلامية، على رفض كل المبادرات المطروحة، في موقف يكشف عن حسابات أعمق من شعارات “السيادة” و“رفض التدخل الخارجي” التي يرفعانها. فاستمرار القتال بات بالنسبة لهما معركة بقاء سياسي وفرصة لاستعادة نفوذ أطاحت به ثورة ديسمبر المجيدة، بينما يمنح رفض المبادرات مساحة لإعادة ترتيب التحالفات الداخلية والخارجية. وفي المقابل، يظهر الدعم السريع أكثر مرونة تجاه الضغوط الدولية؛ لا التزامًا بالسلام، بل حفاظًا على شرعية تحتاجها المليشيا لاستمرار دعمها الخارجي. وبين هذه المواقف المتعارضة ظاهريًا يتشكّل واقع واحد: حربٌ تُمليها مصالح داخلية متشابكة مع أجندات إقليمية ودولية لا تتضرر من إضعاف السودان وتفكيك مؤسساته، فيما يدفع المواطنون وحدهم الثمن الأكبر.

ترى قيادة الجيش المرتبطة بالتيار الإسلامي في استمرار الحرب فرصة لاستعادة نفوذها السياسي والعسكري بعد الهزيمة التي مُنيت بها إثر ثورة ديسمبر. فوقف الحرب الآن يعني، بالنسبة لها، القبول بواقع سياسي جديد لا تمتلك فيه الحركة الإسلامية القدرة على التحكم بالدولة أو مؤسساتها الأمنية. كما يمنح استمرار القتال الجيش الوقت لإعادة ترتيب قواعده واستقطاب الدعم الخارجي وتجاوز الضغوط الشعبية والدولية التي وُجّهت إليه بعد الثورة. ومن زاوية أخرى، يخشى الجيش أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى ترسيخ “واقع الأرض” الذي فرضه الدعم السريع، الأمر الذي قد يضعف موقفه لاحقًا سواء في التفاوض أو في ميزان القوة داخل الدولة.

أما الدعم السريع فيسوّق نفسه كطرف “مرن” و“متجاوب” مع الجهود الدولية، لكنه يفعل ذلك بدافع الحاجة، لا بدافع الاستعداد لإنهاء الحرب. فالمليشيا تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الدعم الخارجي، وتحتاج إلى غطاء دولي يمنحها شرعية سياسية ومساحة للمناورة. لكن هذه المرونة الخطابية لا تنعكس على الأرض؛ إذ يواصل الدعم السريع ارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، والسيطرة بالقوة على المدن والموارد، وإعادة إنتاج نموذج سلطوي يقوم على العنف والنهب والاستغلال. وهكذا يصبح قبول المبادرات بالنسبة له ورقة علاقات عامة أكثر منه رغبة حقيقية في إنهاء الصراع.

في هذا السياق، تبدو «الهدنة» التي أعلنها الدعم السريع من طرف واحد خطوة محاطة بالشكوك أكثر من كونها بارقة أمل جادة لوقف الحرب. فعلى المستوى العملي، لم تُظهر المليشيا — طوال مسار الصراع — أي التزام إنساني أو أخلاقي أو سياسي يمكن أن يجعل من إعلانها خطوة نحو خفض التصعيد أو حماية المدنيين. بل تشير التجارب السابقة إلى العكس: توسّع في الانتهاكات، وإصرار على السيطرة العسكرية، ورفض لأي التزامات ملزمة. فالهدنة لا يمكن أن تُعد خطوة في اتجاه إنهاء الحرب ما لم تُرفق بضمانات حقيقية وآليات مراقبة دولية مستقلة، وبموقف واضح يلتزم بوقف العدائيات في كل الجبهات. وبدون ذلك، تبقى مجرد مناورة سياسية تهدف إلى تحسين التموضع التفاوضي وتجميل صورة المليشيا أمام المجتمع الدولي، خصوصًا في لحظة تتصاعد فيها الانتقادات لسجلها الإنساني المروّع.

كما يمكن قراءة الهدنة المعلنة ضمن اصطفاف إقليمي–دولي يسعى لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم مصالح قوى إمبريالية تعمل — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — على إضعاف الدولة السودانية وتفكيك مؤسساتها. فما يجري على الأرض يكشف عن تقاطعات مع مصالح دول كبرى تستفيد من إطالة أمد الصراع ومن منع السودان من التحول إلى دولة مستقرة ذات مؤسسات قوية. فالسودان بلد ذو موقع جغرافي بالغ الأهمية، ويمتلك ثروات ضخمة غير مستغلة، ويطلّ على واحد من أهم الممرات البحرية. واستمرار الحرب فيه لا يضر تلك القوى، بل يضمن لها التعامل مع الأطراف المتفرقة وفق حسابات المصالح الضيقة. وهكذا، ينسجم إطالة أمد الحرب — بشكل غير مباشر — مع هذه الأجندات؛ إذ يؤدي إلى استنزاف الجيش وتدمير الاقتصاد وانهيار المؤسسات، ما يجعل السودان بلدًا هشًا يسهل الضغط عليه سياسيًا واقتصاديًا.

وبذلك يصبح الطرفان — رغم تناقضهما الظاهري — جزءًا من مشهد واحد:

  • الجيش يرفض وقف الحرب لأنه يرى فيها معركة بقاء سياسي.
  • الدعم السريع يقبل شكليًا لأنه بحاجة إلى غطاء دولي.
  • وفي الحالتين يستمر النزيف الوطني داخل سياق إقليمي–دولي يجد مصلحته في إضعاف السودان لا في استقراره.

ورغم هذا المشهد القاتم، يظل الحراك الجماهيري العنصر الوحيد القادر على كسر الحلقة الجهنمية للحرب. فقد أثبتت التجارب السودانية السابقة أن الشارع — حين يتوحد خلف شعارات واضحة وخطة منظمة — قادر على فرض معادلات جديدة تتجاوز حسابات السلاح ومصالح القوى المتحاربة. ومع تمدّد الانتهاكات وانهيار الخدمات وتآكل الدولة، تتزايد الحاجة إلى بناء جبهة مدنية واسعة ترفع مطلب وقف الحرب فورًا، وتعيد طرح مشروع سياسي بديل يستند إلى مبادئ ثورة ديسمبر، ويعيد للجماهير دورها بوصفها صاحبة المصلحة الحقيقية في إنهاء الحرب واستعادة الدولة. فغياب الضغط الشعبي المنظّم سيبقي أطراف الصراع تتحرك وفق ميزان القوة لا وفق مصلحة الشعب السوداني.

وخلاصة القول إن رفض الجيش والحركة الإسلامية للمبادرات الدولية، وقبول الدعم السريع لها لفظيًا، ليسا مواقف متضادة في جوهرهما، بل هما وجهان لصراع داخلي يتغذى من بنية مصالح خارجية. وفي كل الأحوال، يبقى المدنيون هم الخاسر الأكبر داخل لعبة معقدة تتشابك فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الدولية. وإلى أن يفرض الحراك الجماهيري رؤية واضحة وموحدة، ستظل المبادرات الخارجية عاجزة عن تغيير المعادلة. فالوحدة القادرة على وقف الحرب ليست في خطاب الجيش ولا في “مرونة” الدعم السريع، بل في إرادة الشعب السوداني التي تحدد مصيره.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات