لم يكن بيان الخارجية الإماراتية الذي دعت فيه إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في السودان ، سوى محاولة جديدة لإعادة صياغة السردية ، والهروب من الحقيقة الراسخة التي تثبت بالأدلة والوقائع تورطها في الحرب ، فالإمارات ليست طرفاً محايداً كما تحاول تصوير نفسها ، بل هي الطرف الأبرز الذي مدّ المليشيا بكل ما يجعلها تستمر في قتل المدنيين وتدمير المرافق الحيوية وتشريد الملايين.
جاء البيان في صيغةٍ توحي بالحرص الإنساني والقلق العميق ، لكنه لم ينجح في إخفاء حقيقة أن الإمارات هي الداعم العسكري والسياسي الأول لمليشيا آل دقلو الإرهابية ، فشحنات الأسلحة التي ضُبطت ، ومسارات المرتزقة الذين جرى تجميعهم من عدة دول ، والممرات التي فتحت أمامهم ، والغطاء الدبلوماسي الذي منحته أبوظبي لهذا المشروع الدموي ، كلها حقائق لا يمكن طمسها مهما بلغ حجم التجميل اللغوي أو التضليل الإعلامي.
وبالمقابل جاء بيان الحكومة السودانية ، عبر وكيل وزارة الخارجية السفير معاوية عثمان خالد ، صريحاً وحاسماً في توصيف ما تقوم به الإمارات ، حرب عدوانية شاملة على السودان عبر دعم المليشيا الإرهابية ، وهو توصيف لم يأتِ من فراغ ، بل من واقع ميداني وسياسي بات يعرفه السودانيون قبل غيرهم.
أما الحملة الإعلامية الإماراتية المسعورة التي يقودها مسؤولون ومستشارون ومنصات ممولة ، فهي ضلع ثابت من أضلاع هذا المشروع ، فخطاب المستشار السياسي والمستشار الأمني بالإمارات وغيرهم من أصحاب النفوذ ، والمتحدثين على الفضائيات من قادة المليشيا وذراعها السياسي صمود ، وصفحات النشطاء الإلكترونيين ، تتحرك جميعها بنغمة واحدة ، اتهام الإسلاميين ، وتبرئة ساحة الإمارات أولا قبل المليشيا ، وتحميل الجيش والاسلاميين مسؤولية استمرار الحرب ، وهو الخطاب ذاته الذي يلتقطه قادة التمرد ويعيدون تدويره ، في مشهد يكشف وحدة المطبخ السياسي والإعلامي الذي يقتاتون منه.
إن محاولة الإمارات الظهور في صورة الوسيط الإنساني ، لا تختلف كثيراً عن العاهرة التي تلبس ثيابها على عجل عند مداهمة الشرطة لبيت الدعارة ، وهي تردد بخوف جئت إلى هنا عن طريق الخطأ ، كنت أبحث عن دار أحد أقربائي ، فهي محاولة مرتبكة للتمويه بعد انكشاف الدور الحقيقي ، فالمساواة بين الجيش الوطني والمليشيا الإرهابية ليست حياداً ، بل انحياز للجريمة ، وتنصل فاضح من الدماء التي أسالتها أموال الإمارات وسلاحها.
لذلك فإن تأكيد السودان على الانفتاح على المبادرات الجادة ، وخاصة المبادرة السعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان ، يمثل استعداداً واضحاً للتعامل مع أي جهد يهدف لوقف الحرب متى ما كان مساره قائماً على سلام عادل يحفظ سيادة السودان وكرامة شعبه ، فالسعودية تتحرك برؤية قد تختلف ، بينما تتحرك الإمارات برؤية نفوذ ، والفرق بينهما هو الفرق بين وطنٍ يُداوى وجراحٍ تُعمّق.
الإمارات اليوم تحاول بكل السبل الهروب من الدم السوداني ، لكن الحقيقة أكبر من بيانات الإنكار ، وأرسخ من أي محاولة للالتفاف ، فالأدلة التي تلاحقها لن تزول ، ومحاولات غسل اليد الملطخة بالدماء لا تزيدها إلا وضوحاً… لنا عودة.
