أثبت الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وفي لحظةٍ فارقة تُختبر فيها معادن الرجال، أنّ القيادة الحقّة ليست في ارتفاع الكرسي، بل في ارتفاع السمع والبصيرة. فاستجاب بالأمس لصوت النصيحة، وأوقف نصب تمثال أُريد له ان يكون في سرة الخرطوم — وإن حُسن القصد فيه — فهو خطوةً غير موفّقة، كادت أن تشوّه مقام الفكرة، قبل أن تُزيّن ساحة المكان.
لم يكن قرار الإيقاف قرارًا مجرداً.. بل كان رسالة عميقة الأثر والمعنى أن الوالي الذي يتصدّر المشهد العسكري والسياسي اليوم، لا يزال أقرب إلى نبض رعيته من كثيرٍ ممن هم دونه رتبةً ومسؤوليةً. وأنه ما زال يرى الصحافة شريكًا في الإصلاح، لا خصمًا، ومستشارًا أمينًا، لا متربّصًا أو متصيّدًا.
ولله درّ الحاكم إذا وفّقه الله إلى أن يطّلع بنفسه على أحوال الناس، وأن يكون عينه يقظةً وسمعه مفتوحًا، لا يحجبه حاجب، ولا تصرفه البطانة السيئة، ولا يجرّه المادحون إلى مهاوي المعصية والغرور. فالقوة في العدل، والعدل في السمع، والسمع في القرب من الرعية. ومن تقرب من رعيته نال الرحمة، وانكشفت عنه الغشاوة، وذهب عنه البأس والجفوة.
ونحن — أهل الصحافة — لم نُخلق لنكون زينة واجهات، ولا حبر أقلامٍ باردةٍ تخشى الحقيقة. إنما وُلدنا لنكون ضمير الأمة، نطرق أبواب الصواب، وننبّه على الخلل إذا ظهر، ونكوّن — بهيبة الكلمة — سياجًا يحفظ الحاكم من الزلل، لا سهامًا تطعنه، ولا أبواقًا تزيّن خطأه. تلك أمانة لا يحملها إلا من عرف وزن الكلمة وميزان النصح.
وقد استجاب البرهان لرسالة صحفي واحد… وهذه وحدها كافية لنعلم أن القيادة التي تُمسك اليوم بزمام الدولة، ما زالت تؤمن بأن النصيحة نور، وأن تجاهلها ظلام. وأن الرأي الصادق — ولو خرج من قلم واحد — قادرٌ أن يغيّر قرارًا ويصوّب مسارًا.
وليت ولاة أمورنا يعلمون أن الأمة لا تنتظر منهم معجزات، بقدر ما تنتظر منهم السمع والبصيرة، والقدرة على التراجع حين يتبيّن الخطأ، والشجاعة على الاعتراف حين تلوح الحقيقة. فبذلك تُبنى الدول، وتُحفظ الهيبة، ويُكتب في سجل الحاكم أنه كان راعيًا بحق، لا متسلّطًا ولا غافلًا.
إن قرار البرهان بالأمس بإيقاف نصب تمثال… إقرارٌ بأن صوت النصيحة — إذا خرج من قلبٍ نقيّ وقلمٍ صادق — قادرٌ على أن يصل إلى أعلى مقام، وأن يحفظ البلاد من خطواتٍ غير محسوبة، وأن يعيد للمشهد هيبته واتّزانه.
هذه هي القيادة التي نريدها… قيادة تُنصت قبل أن تقرّر، وتستشير قبل أن تُقدم، وتُراجع قبل أن تُعلن. قيادة تعرف أن الحق أكبر من الأشخاص، وأن الوطن أعلى من كل الرموز.
