لم تكن المعلّمة الخمسينية تتصوّر أن تعود بها الأيام إلى هذه النقطة: غرفة ضيقة في ضواحي القاهرة، تجلس إلى جوار ابنها الوحيد، تتفقّد ضمادات ساقه المصابة، وتعدّ راتبها الشهري بعناية لتغطي الإيجار وثمن الدواء ومواصلات المدرسة التي بدأت العمل بها حديثًا.
لكن رحلتها إلى هنا لم تكن رحلة بحث عن حياة جديدة، بل كانت محاولتها الأخيرة لإنقاذ حياة ابنها من البتر، بعد سلسلة من الأحداث التي عصفت بأسرتها وبمدينتها الفاشر منذ اندلاع الحرب.
مدينة تتداعى ورواتب متوقفة
عاشت المعلّمة في أحد أحياء الفاشر الراقية، وهي سليلة أسرة عريقة تعود جذورها إلى المدينة نفسها. طوال سنوات عملها في التعليم، كان راتبها الحكومي مصدر الأمان الوحيد لها ولابنها الذي يعمل موظفًا في أحد المصارف الكبرى.
لكن مع الأيام الأولى للحرب تغيّر كل شيء: توقفت المدارس، أُغلقت المصارف، وتعطلت المرتبات. تحولت المدينة إلى مساحة شاسعة من الخوف والفوضى، بينما وجد آلاف المعلمين وموظفي القطاع البنكي أنفسهم بلا دخل أو حماية.
تقول المعلّمة: “كنت أرى أصدقائي من المعلمين والموظفين وقوفًا في صف واحد… كلنا بلا رواتب. فجأة أصبحنا نعتمد على ما تبقى في بيوتنا.”
ورغم ذلك، رفضت مغادرة الفاشر. كانت المدينة جزءًا من ذاكرتها وتاريخ عائلتها، وكانت تشعر بأن الرحيل خيانة للمكان الذي منحها كل شيء.
ابنها… من موظف مصرفي إلى متطوع في التكية
ومع توقف عمله وإغلاق المصرف، انضم ابنها إلى “شباب التكية”—مبادرة شبابية ظهرت في الفاشر لمواجهة نقص الغذاء والدواء وتقديم العون للجرحى والمرضى.
كان يقضي ساعات طويلة في نقل الطعام للنازحين ومساعدة الأطقم الطبية في المستشفى الذي يعمل وسط نقص فادح في الأدوات والإمدادات.
تروي أمه:
“كان يقول لي: إذا كلنا هربنا… من يخدم الناس؟”
لكن العمل التطوعي في مدينة محاصرة كان يحمل مخاطره. وفي إحدى غارات قوات الدعم السريع على الفاشر، أصيب الشاب بجروح عميقة في ساقه، نُقل على إثرها إلى المستشفى.
هناك، ومع تدهور الإمكانيات الطبية، بدأت ساقه تتعرض للتعفّن، وكان الأطباء على وشك اتخاذ قرار البتر.
رحلة النجاة إلى الشمال
لم تستسلم الأم. حملت ابنها رغم الألم، وقررت أن تغادر الفاشر لأول مرة في حياتها.
كانت الرحلة إلى الولاية الشمالية طويلة ومليئة بالمخاطر، لكن الأمل في إنقاذ ساقه كان أقوى.
وعند وصولهما إلى إحدى محطات التفتيش، دخلت معاناتهما فصلًا جديدًا.
بسبب شكوك القوات في “الوجوه الغريبة”، أُعتقل ابنها بتهمة عدم انتمائه للمنطقة. حاولت الأم الدفاع عنه، فاعتُقلت هي الأخرى.
إجراءات التفتيش والتحقيق استمرت ساعات طويلة قبل أن تُثبت هويتهما وتُفرج عنهما.
تصف الأم تلك اللحظة:
“كنت خائفة أن نفقد كل شيء… الساق والحياة نفسها.”
مروي: الخبر الذي هزّ قلب الأم
بعد الإفراج، وصلا إلى مستشفى مروي، وهناك تفحص الأطباء حالة ساق ابنها التي كانت في مرحلة متقدمة من الالتهاب.
قال أحد الأطباء بعد دقائق صمت:
“لا مفر من البتر… إلا إذا خرجتِ به خارج السودان فورًا.”
كانت تلك الجملة مثل صفعة. لكنها أيضًا كانت بصيص الأمل الذي تحتاجه الأم لتتحرك.
إلى مصر… بحثًا عن المستحيل
خرجت من السودان عبر الطريق إلى مصر، رحلة منهكة عبر الحدود، تحمل فيها أمٌّ ابنها بكل ما تبقى لديها من قوة.
لم يكن لديها إلا القليل من المال وبعض الملابس. ومع ذلك، وصلت إلى أسوان ثم إلى القاهرة، لتبدأ رحلة جديدة من المتاعب.
في مصر، عملت في مصنع لساعات طويلة مقابل أجر بسيط. لم يكن العمل مناسبًا لخبرتها، لكنه كان الوسيلة الوحيدة لتغطية تكاليف العيش والعلاج.
الصدفة التي غيّرت حياتها
في المصنع، اكتشف أحد العاملين مهاراتها في اللغة الإنجليزية حين سمعها تشرح لامرأة سودانية تفاصيل طبية معقدة.
اقترب منها قائلًا:
“إنتي أستاذة إنجليزي؟ ليه شغّالك هنا؟”
ومن تلك اللحظة تغيرت حياتها. ساعدها الرجل في الوصول إلى مدرسة خاصة تبحث عن معلّمة لغة إنجليزية.
وخلال أسبوع، كانت تقف أمام فصل من التلاميذ، تكتب على السبورة، وتستعيد جزءًا من حياتها التي خطفتها الحرب.
أول يوم دخلت الفصل… بكت وقالت ” حسّيت إن الدنيا لسه فيها فرصة.”
حياة معلّقة بين الحرب والغربة
اليوم، تعمل المعلّمة في المدرسة، بينما يخضع ابنها لعلاج مستمر في القاهرة.
تكافح لدفع الإيجار وشراء الدواء، لكنها تشعر للمرة الأولى منذ شهور بأنها تقف على أرض ثابتة.
ورغم أن الحرب سرقت منها مدينتها ووظيفتها وأمانها، إلا أنها لم تستطع سرقة ما هو أثمن:
قوة الأم، وكرامة المعلّمة، وإصرار امرأة قررت أن تمنح الحياة فرصة جديدة.
