الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةمقالاتد. عبد الشكور حسن أحمد… رجلٌ جمع بين سلطة القانون ونُبل الأدب...

د. عبد الشكور حسن أحمد… رجلٌ جمع بين سلطة القانون ونُبل الأدب كتب الاستاذ/ عمر درار بشاشة

في زمنٍ تتداخل فيه الوجوه والأدوار، ويختلط الصوت العالي بالفراغ الفكري، يبرز اسم د. عبد الشكور حسن أحمد كأحد أولئك الذين لا يملأون المكان حضوراً فحسب، بل يتركون فيه أثراً يمتد حتى بعد غياب خطواتهم. فهو نموذج للرجل السوداني الذي جمع بين التجربة والخبرة، وبين صلابة رجل الشرطة، وعمق المفكر، ورهافة الأديب، ودقّة القانوني، فصار بذلك شخصية متفرّدة يصعب تصنيفها في خانة واحدة.

ولد عبد الشكور وفي داخله ميلٌ مبكر إلى المعرفة. ولأن الأقدار كثيراً ما تسوق أصحاب العزم إلى دروبٍ تحتاج إلى صلابة، التحق بكلية الشرطة ليبدأ مسيرة امتدت سنوات طويلة حتى بلغ رتبة عميد، قبل أن يترجل إلى حياة مدنية لم تكن أقل خدمة للوطن من سنوات زيه العسكري. في خدمة الشرطة، عُرف بالانضباط، وقوة الشخصية، وبُعد النظر في الملفات المعقدة، خاصة ما يتعلق بالجريمة المنظمة والتحقيقات الرفيعة. لم يكن ضابطاً عادياً، بل كان معلّماً داخل المؤسسة، وقد تربّت على يديه أجيال من الضباط الذين لا يزالون يستعيدون منهجه الصارم، وعدله الذي لا يهتز.

لكن عبد الشكور لم يكن رجل سلطة فحسب؛ كان — وما يزال — صوتاً فكرياً وأدبياً متماسكاً. قلمه لا يقل حدة عن صرامته المهنية، ولذلك وجد نفسه بعد التقاعد يتجه لكتابة المقال، والمحاضرة، والتأليف. كتابه «دفتر من صفحات الأيام» الذي يعمل على إعداده هو شهادة عميقة على عشرات المواقف والذكريات والتأملات، تمتد من طفولته في دنقلا إلى سنوات الخدمة، ثم إلى رؤيته للمشهد السوداني بكل تعقيداته. كتابٌ يجمع السيرة بالتأمل، والتاريخ بالسرد، دون أن يتخلى عن لغته الأنيقة التي تجعل القارئ يشعر أن الحكاية تخصه هو أيضاً.

في مجال القانون، يملك عبد الشكور خبرة واسعة أكسبته مكانة مرموقة كمستشار قانوني ومدرّب متخصص في قضايا الجريمة المنظمة وغسيل الأموال. محاضراته في الجامعات تُدرّس بوضوحها وعمقها، وقدرته على تبسيط أعقد المفاهيم القانونية للطلاب والمتخصصين على حد سواء. ولأنه رجل يؤمن بالدقة والمسؤولية، لا يرضى بأقل من الحقيقة معياراً، ولا يقبل أنصاف المواقف.

أدبياً، يكتب عبد الشكور بروح إنسان عاش كثيراً، وعاين وجوهاً مختلفة من الحياة: الخطر، السلطة، الشرف، الخيبات الصغيرة، وانتصارات الروح. لغته متينة، شفافة حين تريد، ومشحونة حين يلزم، وتظل دائماً مشدودة إلى حسٍّ سوداني أصيل، لا ينفصل عن الأرض والناس والتراب الذي صنع شخصيته الأولى.

أما على المستوى الإنساني، فهو صاحب حضور هادئ، لا يحب الضوضاء، ويؤمن أن الحجة القوية تكفي وحدها دون أن تستند إلى صخب. رجل يعرف قيمة الزمن، ولذلك يفضّل السرعة والدقة في العمل والعلم معاً. وكل من تعامل معه علم أن هذا الرجل ليس نسخةً مكررة من أحد، بل هو بناءٌ تشكّل عبر التجربة، والألم، والتأمل، والانضباط.

إن الحديث عن د. عبد الشكور حسن أحمد ليس مجرد سيرة رجل، بل حكاية جيلٍ كامل ما زال يعيد رسم صورة السودان كما يجب أن تكون: قوية، واعية، ومؤمنة بأن الكلمة قد تُصلح ما أفسدته البنادق.
والله من وراء القصد
عمر درار بشاشة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات